في الوقت الذي كان فيه أنس الشريف يقاتل على الجبهة، حاملاً الكاميرا كأنها بندقية، وناقلًا للعالم صوت الجوعى والثكالى والمشردين، كنا نحن – الصحفيين المصريين – نقاتل على جبهة البدل والزيادات المنتظرة، التي لا تكفي لشراء كيلو لحم.. أو حتى رصاصة واحدة من رصاصات أنس.
أي بؤس هذا الذي نعيشه؟
أي هوان وذل نتجرّعه؟
نحن نتجادل حول الرواتب، بينما هناك من يقف في موطأ الشرف والكرامة والحرية، يواجه الموت وجهًا لوجه.
«ألا نخجل نحن الصحفيين مما نحن فيه، وأنس وفريقه – ومن بينهم زميله قريقع – في الخندق الأصدق، حيث الرجولة والمهنية والشجاعة؟»
وجه القضية الأشرف
أنس الشريف وقريقع لم يكونا مجرد أسماء، بل كانا وجهين شريفين للقضية الأشرف والأعظم على وجه الأرض اليوم… فلسطين.
هناك، حيث الموقف يعني الحياة أو الموت، وحيث الكاميرا تعني كشف الجريمة لا توثيق الاحتفالات، وحيث الصحافة تعني أن تكون شاهدًا حتى النفس الأخير، لا متفرجًا على مائدة المساومات.
وُلد أنس في أزقة مخيم جباليا للاجئين، وسط رائحة البارود وذكريات النكبة، حمل منذ صغره حلم العودة إلى بلدته الأصلية عسقلان – المجدل المحتلة – لكن مشيئة الله سبقت أحلامه.
لم يعرف الحياد يومًا؛ فالموت والقصف والحصار كانت واقعه اليومي، اختار أن يقاوم بالكلمة والصورة، وهو يدرك أن ثمنها قد يكون حياته.
كلمات بين الركام
كتب أنس وصيته الأخيرة تحت وابل القذائف، بين جدران تتهاوى: «أوصيكم بفلسطين، درة تاج المسلمين… أوصيكم بأهلها وأطفالها المظلومين… أوصيكم بابنتي شام، وبابني صلاح، وبأمي وزوجتي… لا تنسوا غزة، ولا تنسوني من صالح دعائكم».
كانت وصية محمّلة بوهج الحياة رغم رائحة الموت، أوصى فيها بأسرته ووطنه، وترك للعالم رسالة لا تموت.
رفيق الخندق الأخير
إلى جانب أنس، كان زميله قريقع يلتقط الصور وينقل الحكايات، كلاهما نقل صوت الجوعى، والثكالى، والمهجّرين، كلاهما قاتل في ميدان الصحافة الحرة، حيث الكاميرا سلاح، والحقيقة هدف.
رحلا معًا في خندق واحد، لتخسر غزة شاهدين من أصدق شهودها.
ماذا عنّا نحن؟
أنس قام بواجبه كاملًا، لم يتخاذل، ولم يساوم، ولم يبع صوته، أما نحن، فما زلنا نتجادل على رواتب لا تكفي لثمن علبة حليب أو قطعة خبز في غزة.
هو كان في موضع الشرف والحرية، ونحن هنا في مكان الخذلان والتواطؤ، نبرر لأنفسنا الاكتفاء بالمشاهدة.
غزة في صورة أنس
في صورته الأخيرة، الملطخة بالغبار والدم، يمكن أن ترى غزة كلها: أم ثكلى، طفل مبتور الأحلام، بيت صار رمادًا، وكرامة واقفة رغم الركام.
أنس الشريف لم يكن فقط مراسلًا؛ كان غزة في هيئة إنسان، والآن صار شهيدًا يسكن ضمير كل من بقيت فيه ذرة إنسانية.
أيها القارئ، لا تدع دم أنس وقريقع يجفّ في الذاكرة، لا تكتفِ بأن تقول: «رحمهها الله»، ثم تمضي.
احمل الكاميرا، أو القلم، أو حتى الكلمة الصادقة على لسانك، وكن أنت الجسر الذي يربط بين الدم والحرية.
أنس قاتل حتى اللحظة الأخيرة، وقريقع ظل شاهدًا حتى انقطع البث، وغزة ما زالت تنزف.
السؤال الآن ليس: «ماذا فعلوا؟»… بل: «ماذا سنفعل نحن؟»














