لم تكن تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة عن «إسرائيل الكبرى» مجرد كلمات عابرة في خطاب سياسي، بل كانت أشبه ببالون اختبار لقياس درجة هوان الأمة، واختبارًا حيًا لردود أفعال الحكومات والشعوب قبل الانتقال من الكلام إلى التنفيذ.
قالها نتنياهو، في تحدٍ فجّ لكل القوانين الدولية، وفي استفزاز متعمد لكل من بقي في قلبه ذرة من انتماء أو كرامة عربية أو إسلامية.
لكن السؤال الجوهري: هل يكفي الشجب والتنديد؟
الجواب بوضوح: لا، فالبيانات المكررة التي تصدرها بعض العواصم العربية والإسلامية باتت أقرب إلى رد الفعل الباهت، وليست سياسة ردع حقيقية.
هي رسائل موجهة إلى الرأي العام المحلي لامتصاص الغضب، لكنها لا تغير شيئًا في ميزان القوى أو على طاولة المفاوضات.
غياب العمل المؤسسي
أين جامعة الدول العربية من هذه التصريحات التي تمس الأمن القومي العربي بأسره؟ أين منظمة التعاون الإسلامي من خطاب يحمل في جوهره تهديدًا صريحًا لسيادة دول وشعوب مسلمة؟ ولماذا لم نسمع عن مبادرة رسمية لتقديم مذكرة عاجلة لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة هذه التصريحات وطلب إجراءات ردع ضد الاحتلال؟
أدوات لم تُستخدم
حتى اللحظة، لم تقدم معظم العواصم العربية والإسلامية على أبسط الإجراءات الدبلوماسية التقليدية، استدعاء سفراء الاحتلال وتسليمهم مذكرات احتجاج رسمية.
لم يتم التنسيق لعقد قمم طارئة أو تفعيل آليات التحرك السريع التي نصت عليها مواثيق الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
ميزان الردع بالأرقام (2024–2025)
قوة الإنفاق العسكري الإسرائيلي: قفز إنفاق إسرائيل العسكري بنحو 65% في 2024 ليصل إلى 46.5 مليار دولار، مع عبء عسكري = 8.8% من الناتج المحلي (ثاني أعلى نسبة عالميًا بعد أوكرانيا).
هذا أكبر ارتفاع سنوي منذ 1967، ويعكس انتقالًا واضحًا من «رد الفعل» إلى «التوسع بالقوة الصلبة».
(المصدر: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام — Stockholm International Peace Research Institute – SIPRI)
حجم الاقتصاد الإسرائيلي مقارنة بالعرب: الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في 2024 ≈ 429.5 مليار دولار، بينما يبلغ إجمالي الناتج المحلي للدول العربية ≈ 3.7 تريليون دولار.
ورغم الفارق الكبير لصالح العرب، يظل الأثر السياسي محدودًا لغياب التكتل الفعّال.
«المصدر: البنك الدولي The World Bank»
سباق التسلّح في الإقليم: إجمالي الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط 2024 ≈ 243 مليار دولار، والسعودية وحدها خامس أكبر منفق عالميًا في 2023 بـ ≈75.8 مليار دولار.
ومع ذلك، يتبدّد الأثر الردعي بسبب غياب التنسيق الدفاعي العربي.
(المصدر: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام — Stockholm International Peace Research Institute – SIPRI)
الكتلة الدبلوماسية المتاحة: جامعة الدول العربية = 22 دولة، ومنظمة التعاون الإسلامي = 57 دولة.
هذا الرقم يمنح وزنًا تفاوضيًا وإنسانيًا كبيرًا لو تم استخدامه في تصويت منسّق داخل الأمم المتحدة ومؤسساتها.
(المصدر: الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية — League of Arab States / الموقع الرسمي لمنظمة التعاون الإسلامي — Organization of Islamic Cooperation)
عقبة الفيتو: استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشاريع قرارات لوقف إطلاق النار في غزة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 و4 يونيو/حزيران 2025، ما يفرض اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة (آلية «متحدون من أجل السلام») كمسار بديل.
(المصدر: الأمم المتحدة — United Nations Official Records)
الخطوات الإيجابية المطلوبة
1- إجراءات دبلوماسية فورية: استدعاء السفراء، تخفيض التمثيل، أو حتى تجميده.
2- تحرك قانوني دولي: تقديم ملفات متكاملة لمحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية ضد سياسات التوسع والضم.
3- ضغط اقتصادي: إعادة النظر في الاتفاقيات التجارية أو مجالات التعاون مع الاحتلال.
4- تحالف إعلامي عربي–إسلامي: فضح المخططات الإسرائيلية وتعرية خطاب نتنياهو أمام الرأي العام العالمي.
5- دعم ميداني للقضية الفلسطينية: سياسيًا، ماليًا، ولوجستيًا، بدل الاكتفاء بالشعارات.
باختصار.. تصريحات نتنياهو لم تكن زلة لسان، بل رسالة واضحة: «نحن نتقدم إلى الأمام، فهل ستوقفوننا؟»
إنها ليست مجرد تحدٍ، بل اختبار إرادة، إما أن تظل الأمة العربية والإسلامية أسيرة ردود الفعل، أو أن تنتقل إلى سياسة الردع، حيث تُصنع القرارات ولا تُستهلك، ويصبح الاحتلال هو من يحسب ألف حساب قبل أن ينطق بكلمة.










