لم يكن تصريح بنيامين نتنياهو الأخير عن «إسرائيل الكبرى» إلا إعادة نفخ في بالون قديم فقد بريقه منذ عقود.
التصريح لم يكن مجرد أمنية شخصية، بل محاولة جديدة لتثبيت وهم تاريخي في الوعي العربي والإسلامي، وكأن حلم «من النيل إلى الفرات» قابل للتحقق يومًا.
الحقيقة أن هذا المشروع ظل حبيس الأساطير، لا لضعف الإرادة الصهيونية، بل لأنه يصطدم بواقع تاريخي وديموغرافي وجغرافي يستحيل تجاوزه.
نشأت فكرة «إسرائيل الكبرى» في الأدبيات التوراتية التي فُسرت سياسيًا، ثم أعيد تدويرها عبر الحركة الصهيونية مطلع القرن العشرين.
استُخدمت نصوص دينية غامضة كأداة للتعبئة، وصُوّرت خرائط وهمية لإقناع اليهود بأن لهم حقًا تاريخيًا يمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات.
ومع تأسيس إسرائيل عام 1948، تحولت الخرافة إلى شعار ضمني يلوّح به المتطرفون لتبرير سياسات التوسع والعدوان.
التلاعب الأساسي في هذه الخرافة يقوم على خلط النصوص الدينية القديمة بتفسيرات سياسية حديثة، ما هو في الأصل خطاب لاهوتي غامض تحوّل إلى برنامج جغرافي وسياسي، صُوّر عبر خرائط وضعتها جمعيات صهيونية ونُشرت في مطبوعات أوروبية.
هذه الخرائط لم تكن سوى أدوات دعائية لتبرير الاستيطان، ولم تمتلك يومًا سندًا قانونيًا أو شرعية دولية.
من المستحيل على إسرائيل أن تحقق حلمها التوسعي:
ديموغرافيًا: المنطقة التي يزعمون السيطرة عليها تضم مئات الملايين من العرب والفلسطينيين، مما يجعل فكرة «الدولة اليهودية النقية» مجرد وهم.
جغرافيًا: إسرائيل تواجه صعوبة في فرض سيطرتها الكاملة على الضفة الغربية وغزة، فكيف لها أن تتمدد آلاف الكيلومترات؟
أمنيًا: حتى مع تفوقها العسكري، تظل إسرائيل محاصرة بمخاوف دائمة من مقاومة الشعوب، وهو ما يجعل أي مشروع توسعي وصفة للانتحار السياسي والعسكري.
إسرائيل تعلم أن مشروع «إسرائيل الكبرى» غير قابل للتحقق عمليًا، لكنها تستغل الأسطورة كسلاح نفسي وإعلامي، فهي ترفع هذا الشعار لابتزاز الغرب بكذبة «أرض الميعاد»، وتستخدمه داخليًا لرفع معنويات شعبها الذي يعيش على وقع أزمات أمنية وسياسية.
الإعلام الإسرائيلي يضخم هذه الفكرة ليس لكونها خطة واقعية، بل لأنها تخلق صورة قوة عظمى لا تقهر.
المؤسف أن الرد العربي والإسلامي لم يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، لم تستدع معظم العواصم سفراء الاحتلال، ولم تُطرح القضية بجدية أمام الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية.
هذا الفراغ السياسي والإعلامي يسمح للدعاية الصهيونية أن تهيمن على السردية وتعيد إنتاج الوهم.
غياب مشروع عربي موحد لفضح الأسطورة بالأرقام والوثائق يمثل خطأ استراتيجيًا لا يقل خطورة عن التوسع الاستيطاني ذاته.
يجب أن يتم البدء فورا في خطوات عملية سريعة على عدة مستويات :
على مستوى البحث: ضرورة إنشاء مراكز دراسات عربية تُفند الأسطورة بلغات مختلفة، وتقدم للعالم بدائل سردية قائمة على التاريخ والحقائق.
على مستوى الدبلوماسية: تحريك الدول العربية والإسلامية للضغط على الأمم المتحدة لإدانة الخطاب التوسعي الإسرائيلي.
على مستوى الإعلام: إنتاج محتوى عربي ودولي يفضح التناقض بين الأسطورة والواقع، ويعيد صياغة صورة القضية الفلسطينية.
على مستوى الشارع: تنشيط الوعي الشعبي بأن الصمت على الخرافة يعني السماح بتحويلها إلى سياسة تدريجية أمر واقع.
باختصار.. «إسرائيل الكبرى» ستظل مجرد خرافة، لكنها خرافة خطيرة تُستخدم لتبرير سياسات التوسع والعدوان.
وإذا كان الإسرائيليون قد نجحوا في تحويل الوهم إلى أداة ضغط، فإن العرب فشلوا في تحويل الحقيقة إلى سلاح مضاد.
الصمت العربي أخطر من الأسطورة نفسها، لأن الخطر الحقيقي ليس في ما يحلم به نتنياهو، بل فيما يُترك له من مساحة ليحوّل الوهم إلى خطوات عملية على الأرض.













