منذ 80 عامًا، والعرب يحملون أوهامًا اسمها «الجامعة العربية».. مؤسسة تعقد الاجتماعات، تلتقط الصور التذكارية، وتخرج علينا ببيانات خشبية محفوظة.
لكن في لحظة الحقيقة – سواء في فلسطين، العراق، سوريا، السودان، أو ليبيا – نجدها بلا مخالب، بلا صوت، بلا قرار.
السؤال القاسي: هل نحن أمام مؤسسة حية فعلًا أم أمام مقبرة تُدفن فيها القرارات العربية؟
لم تفلح الجامعة في إنقاذ فلسطين، ولا في منع غزو العراق للكويت، ولا في إيقاف الحرب الأهلية اللبنانية، ولا في تجنيب سوريا الكارثة.
كل ما فعلته هو «تعليق العضوية» أو «تشكيل لجان» أو «إصدار بيانات»، حتى بياناتها تُنسى في اليوم التالي وكأنها لم تصدر.
العرب اليوم يعملون وفقا لمحاور توضح استراتيجياتهم وتوجهاتهم وفقا للتقسيمات التالية:
محور يقاتل تحت راية إيران.
محور يراهن على حماية واشنطن.
محور يبيع الصمت مقابل صفقات اقتصادية.
فأي جامعة تلك التي تجمع المتناقضات تحت سقف واحد؟ الحقيقة أن الجامعة العربية لم تعد بيت العرب، بل مرآة لتمزقهم، وأصبح الاقتصاد أداة ابتزاز تكسر أي محاولة لوحدة الموقف.
الميثاق التأسيسي لم يمنح الجامعة أي آلية إلزامية، لا توجد محكمة عربية قادرة على فرض القرارات، ولا قوة عسكرية مشتركة جاهزة للتدخل، ولا عقوبات ضد من يخالف الإجماع.
النتيجة أن الجامعة تتحول إلى «أرشيف بيانات» لا أكثر، وأصبحت تعكس الانقسام ولا تصنع الوحدة، لأنها بلا أدوات تنفيذية.
بالمقارنة مع منظمات إقليمية أخرى يتضح حجم الكارثة الكبرى التي تعيشها جامعة الدول العربية بسبب عدم وجود قبضة قوية تحمي قراراتها وتشريعاتها وبنظرة سريعة على الكيانات الشبيهة يتضح:
الاتحاد الأوروبي: يمتلك محكمة عدل أوروبية، قراراته ملزمة، وله برلمان منتخب.
الاتحاد الإفريقي: يملك صلاحية التدخل العسكري في النزاعات الداخلية.
الجامعة العربية: تكتفي ببيانات شجب لا تُترجم على أرض الواقع.
هذه المقارنة تكشف أن الضعف نتيجة غياب الإرادة السياسية لتطوير الميثاق العربي.
ويبقى أن هناك العديد من الدول هي المستفيدة الأولى من هذا الوضع العربي المتأزم ومنها:
إسرائيل التي توسع نفوذها وسط هذا الفراغ.
إيران وتركيا اللتان تسرحان وتمرحان في العراق وسوريا واليمن.
القوى الكبرى التي لا ترى في العرب سوى سوق مفتوحة.
والأدهى أن بعض الدول العربية راضية بهذا الوضع، لأنها لا تريد «جامعة قوية» تقيّد حركتها أو تكشف تناقضاتها.
غياب الموقف الموحد ليس عرضًا طارئًا بل نتيجة طبيعية لتضارب المصالح القومية والاقتصادية والسياسية.
ويبقى السؤال، هل يمكن إصلاح الجامعة العربية لتصبح صوتًا فاعلًا يوحّد الأمة، أم أنها ستظل مؤسسة بلا روح، تحيا فقط في نشرات الأخبار والبيانات الدبلوماسية؟
الجامعة العربية لم تعد جامعة، بل متحفًا للبيانات الإنشائية، ماتت منذ عقود ولم يُعلن دفنها.
وإذا لم يحدث إصلاح جذري يعيد لها السلطة والصلاحيات، فالأجدر أن تُغلق أبوابها، لأن وجودها أصبح أداة تزييف وإبر مخدّرة للشعوب.
ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: هل نملك الشجاعة لإعلان وفاة الجامعة العربية رسميًا؟












