في لحظة فارقة من التاريخ، قدّم وزراء هولنديون استقالاتهم احتجاجًا على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، معلنين أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة أثمن من أي حسابات سياسية أو مصالح ضيقة.
هؤلاء الوزراء لم يحملوا بندقية ولم يرفعوا شعارات حماسية، بل قدّموا درسًا للعالم: أن الموقف الأخلاقي الصادق أقوى من السلاح، وأن التضحية بالمنصب أرفع شأنًا من التمسك بكرسي هزاز يعلوه الغبار.
هذا الموقف لم يزلزل فقط أروقة السياسة في لاهاي، بل بعث رسالة إنسانية صريحة: أن العدالة لا تُشترى ولا تُساوَم.
لقد أظهروا أن المسؤول الحقيقي ليس من يتفنن في إلقاء الخطب أو كتابة بيانات الشجب، بل من يتخذ خطوة عملية قد تغيّر مجرى الأحداث.
لكن على الجانب الآخر من العالم، في العواصم العربية والإسلامية، يبدو المشهد وكأنه فيلم هزلي من الدرجة الرديئة.
بينما وزراء الغرب يضحّون بمناصبهم، وزراء الشرق يتشبثون بمقاعدهم وكأنها جزء من أجسادهم، وبينما هناك مَن يستقيلون دفاعًا عن فلسطين، هنا تُعقد القمم الطارئة لمناقشة «جدول أعمال القمة القادمة»، وتُصدَر بيانات باهتة لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
ألم يكن أولى بحكومات تدّعي نصرة فلسطين أن تُعلن على الأقل استدعاء سفراء الاحتلال أو قطع العلاقات الدبلوماسية أو تجميد التعاون الاقتصادي والعسكري؟ أليس من المخجل أن يسبق وزراء هولنديون – بلا صلة مباشرة بالصراع – كثيرًا من القادة العرب الذين يرفعون راية الإسلام والعروبة ليل نهار؟
المفارقة الساخرة أن الشعوب العربية والإسلامية، التي كان يُفترض أن تستمد القوة المعنوية من قادتها، أصبحت اليوم تستمدها من وزراء أوروبيين قد لا يعرف بعضهم حتى كيف يُنطق اسم «غزة» بشكل صحيح!
إن الفرق بين الموقفين يعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، الغرب الذي نحاسبه على ازدواجيته في المعايير، أخرج من بين صفوفه رجالاً ونساءً قالوا «لا» بصوت عالٍ في وجه إسرائيل، أما الشرق الذي يُفترض أنه يحمل القضية في قلبه، اكتفى بالهمس والتبرير والجلوس على مقاعد «الانتظار».
لقد أثبت الوزراء الهولنديون أن الضمير الحي أقوى من السلاح، وأن الموقف النبيل يدوّي في العالم أكثر من آلاف خطابات الإدانات الباردة.
وفي المقابل، أثبتت الحكومات العربية والإسلامية أن الكرسي أثقل من الضمير، وأن الحسابات الضيقة أكثر حضورًا من القيم والمبادئ.
إن استقالة هؤلاء الوزراء ستظل درسًا قاسيًا لكل من يظن أن فلسطين قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، وستبقى وصمة عار على جبين أنظمة اكتفت بالتصفيق، بينما أناس بعيدون جغرافيًا اختاروا أن يقفوا على خط المواجهة الأخلاقي.











