في منطقة تموج بالأزمات والصراعات الممتدة، تبدو القاهرة وكأنها تتحرك على حافة دقيقة، توازن بين مصالحها الوطنية ومكانتها الإقليمية، وبين الضغوط الدولية ومتطلبات الأمن القومي.
مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، لا تستطيع التنصل من دورها كوسيط في قضايا المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي انحياز مفرط قد يضعها في قلب الصراع بدل أن تكون جزءًا من الحل.
يظل الملف الفلسطيني العنوان الأبرز في السياسة الخارجية المصرية، فمصر، بحكم الجوار ومعبر رفح، تمثل البوابة الوحيدة التي تربط غزة بالعالم الخارجي، ما يجعلها اللاعب الأساسي في أي تفاوض بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
تحاول القاهرة إدارة معادلة شديدة التعقيد، التعامل مع ضغوط أمريكية وأوروبية من جهة، والحفاظ على موقفها الداعم لـ القضية الفلسطينية عربيًا وداخليًا من جهة أخرى، وفي كل جولة تصعيد، يثبت أن لا هدنة يمكن أن تتم دون «مفتاح القاهرة».
الأزمة السودانية المتفاقمة منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع وضعت مصر أمام تهديد مباشر لأمنها القومي، حدود تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، وتشابكات اجتماعية واقتصادية عميقة، تجعل استقرار السودان قضية حياة أو موت بالنسبة للقاهرة.
من هنا، تتحرك مصر عبر مسارات متعددة، دعم المبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، والتأكيد على وحدة الأراضي السودانية، مع الحرص على عدم إظهار انحياز كامل لأي طرف، لتبقى قادرة على لعب دور الوسيط المقبول.
المشهد الليبي بدوره يمثل اختبارًا معقدًا للدور المصري، فالقاهرة تدعم مؤسسات الشرق الليبي حفاظًا على أمن حدودها الغربية، لكنها تدرك أن أي تسوية سياسية لن تكتمل دون إشراك الغرب.
من هنا، تسعى مصر إلى جمع الأطراف الليبية تحت مظلة حوار وطني شامل، مع رفض التدخلات الخارجية التي ترى أنها تزيد الأزمة تعقيدًا، كما أن البعد الاقتصادي (الطاقة، إعادة الإعمار، العمالة) يمنح القاهرة دوافع إضافية لتثبيت الاستقرار.
في جميع هذه الملفات، يتضح أن السياسة المصرية تعتمد على «الحياد الإيجابي»، أي الانخراط بقدر يكفي للحفاظ على النفوذ والتأثير، دون انجرار إلى صراع مباشر.
أدوات القاهرة تتنوع بين الوساطة الدبلوماسية، والقوة الناعمة المستندة إلى ثقلها التاريخي، إضافة إلى التنسيق مع القوى الدولية الكبرى لتأمين غطاء سياسي لتحركاتها.
في ظل تشابك الأزمات الإقليمية، يبقى الدور المصري أشبه بالمشي على حبل مشدود، أي ميلان غير محسوب قد يفقده التوازن، لكن الانسحاب الكامل يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ.
ولعل نجاح القاهرة يكمن في قدرتها على الاستمرار في هذا التوازن الصعب، مستندة إلى معادلة تقوم على المصالح الوطنية من ناحية، والالتزامات العربية والإفريقية من ناحية أخرى.












