لم يعد اجتياح الاحتلال لرام الله مجرد عملية عسكرية عابرة، بل تحوّل إلى علامة فارقة تُعمّق الجرح الفلسطيني وتكشف خفايا مشروع الاستيطان الممتد الذي يسعى لإزالة أي أثر للسيادة الفلسطينية المتبقية.
المدينة التي كانت تُعرف بأنها «عاصمة السلطة الفلسطينية الإدارية» صارت هدفاً استراتيجياً للدبابات والاقتحامات، في خطوة تؤكد أن الاحتلال لا يعير أي اهتمام لخطوط حمراء أو تفاهمات سياسية، حتى تلك المعنية بالقيادة الفلسطينية.
الرسالة واضحة، رام الله ليست بمنأى عن مخالب الاحتلال، والضفة الغربية بأكملها تخوض مرحلة ضم تدريجي تستند إلى التطويق بالقوة العسكرية والاستيطان المتسارع.
بينما يتصاعد العنف في قلب الضفة الغربية، يعيش الفلسطينيون حياة تدور في فلك الحواجز العسكرية والمواجهات اليومية التي تفرض واقعاً شديد الخناق.
غزة.. ضحايا بالجملة
أما غزة، فهي تعيش مأساة لا مثيل لها، قصف إسرائيل شبه اليومي منذ أكتوبر 2023 أسفر عن أكثر من 62 ألف شهيد وآلاف الجرحى، معظمهم من المدنيين.
مع دمار هائل وغياب أبسط مقومات الحياة، يواجه القطاع تهديداً وجودياً ليس فقط بالقذائف، بل أيضاً بالجوع والأمراض التي لا تقل قتلاً عن أزيز الطائرات.
الملايين من السكان يفتقرون إلى المياه النظيفة والمأوى والغذاء، وكل يوم يضيف إلى سجل الإبادة البطيئة التي لا تلقى سوى التواطؤ الدولي.
الضفة.. الحصار والاستيطان
الضفة الغربية ليست أفضل حالاً؛ فالاعتداءات اليومية للمستوطنين تجاوزت الألف حالة منذ بداية العام، مستهدفة العشرات من المجتمعات الفلسطينية، القتل الممنهج وحالة الطوارئ الدائمة التي تعيشها المدن والقرى تعكس سياسة الاحتلال القائمة على التآكل التدريجي لمساحات الفلسطينيين.
ومع إضافة آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة وضمان تقنين بؤر الاستيطان غير القانونية إلى مستوطنات رسمية، تصبح السيطرة الإسرائيلية على الأرض أكثر إحكاماً، تاركة للفلسطينيين جيوباً معزولة مُحاصرة بالجدران والأسلاك.
هل تتلاشى فلسطين؟
بين القصف في غزة، والحصار في رام الله، وسياسات التوسع الاستيطاني في الضفة، يُطرح سؤال وجودي، ماذا بقي من فلسطين؟ الإجابة مؤلمة، إذ تبدو فلسطين اليوم مُقسّمة جغرافياً وتحت تهديد دائم.
ومع كل خطوة جديدة للاحتلال، تتآكل الأرض أكثر فأكثر، لكن في المقابل، تبقى الهوية قادرة على الصمود رغم كل محاولات المحو.
الإرادة الفلسطينية أصبحت عنصراً رئيسياً للصمود في مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية.
وبينما تعمل إسرائيل على رسم خريطتها الاستيطانية بالقوة، تبقى فلسطين محفورة في ذاكرة شعبها وأمة كاملة ترفض الاستسلام وترى أن الاحتلال قد يسيطر على الأرض لكنه لن ينتزع الحق ولن يكسر الإرادة.










