في هذه الجمعة، يقف المؤمن مع نفسه وقفة متأمل، يستعرض آيات الله في الكون، ويتذكر قصص الطغاة والجبابرة، وكيف كانوا يظنون أن ما تحت أيديهم من خيرات هو ملكٌ دائم لهم.
يقول القرآن عن فرعون: ﴿أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾، لم يكن النيل وحده مقصده، بل أراد أن يقول لقومه: كل ما ترونه من نعم، إنما هو خاضع لي، ومنسوب إلى سلطاني.
لكن الخيرات لا تضيع بذاتها، بل تُهدر حين يُختزل الوطن في شخص، وتُبدّد حين تُدار بغير عدل، وهنا تتجدد أسئلة التاريخ في وجدان المصري البسيط اليوم: أين ذهبت هذه الأنهار؟ وأين ذهب هذا الخير؟ ولماذا باتت مصر – أرض الكنانة – تعاني العوز، وهي التي كانت يومًا قبلة العطاء؟
إنها ليست أسئلة اقتصادية فقط، بل أسئلة وجودية تتصل بالعدل والكرامة، فما قيمة نهر يجري إذا عطش الناس؟ وما جدوى أرض خصبة إذا هجرها الفلاحون؟ وما معنى وطن زاخر بالعقول إذا ضاقت به السبل فخرجت عقول أبنائه تبحث عن فرصة وراء الحدود؟
يتأمل المرء في سنن الله فالنعمة لا تدوم بالغرور، بل بالشكر؛ وأن الخيرات لا تُحفظ بالاستكبار، بل بالعدل؛ وأن الأمم لا تنهض بالموارد وحدها، بل بوعي أبنائها وحسن اختيارهم.
لعلها دعوة في هذه الجمعة أن نعود إلى جوهر المعادلة البسيطة: العدل يحفظ الخيرات، والظلم يبددها، فإذا أردنا أن تستعيد مصر أنهارها بالمعنى الحقيقي والرمزي، فعلينا أن نعيد للنيل طهارته، وللأرض عافيتها، وللإنسان المصري كرامته.
اللهم بارك لمصر في نيلها وأرضها وأهلها، وردها إلى أبنائها ردًّا جميلاً، وامنع عنها الطغاة والظالمين، واجعل هذه الأرض الطيبة كما وصفتها في كتابك: مباركة.













