هل يحق لنا أن نحمي من لا يحمي مصالحنا؟ أليس من المنطقي أن نتعامل مع الآخرين بنفس الطريقة التي يعاملوننا بها؟ أتحدث هنا عن سماح الأمن البريطاني والأمريكي لعناصر الإخوان بالتظاهر أمام سفارتنا والاعتداء عليها تحت ذريعة «حرية التظاهر»، في حين أن هذه السفارات تُعتبر منشآت مُحصَّنة بموجب القانون الدولي.
لكن السؤال المحوري هنا: هل لو أراد هؤلاء العناصر التظاهر أمام سفارات الكيان الصهيوني في بريطانيا أو أمريكا، وإغلاق أبوابها، كان سيتم السماح لهم بذلك؟ أم أنه كان سيتم اعتقالهم على الفور، تمامًا كما يحدث مع كل من يتضامن مع ضحايا العدوان على غزة، الذي أسفر عن آلاف الضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال منذ السابع من أكتوبر 2023؟
هذا الوضع يستوجب وقفة جدية من الحكومة المصرية، وأول إجراء ينبغي اتخاذه هو إعادة فتح الشوارع المغلقة في حي جاردن سيتي، التي أُغلقت بزعم حماية السفارتين الأمريكية والبريطانية.
هذا الإغلاق تسبب في خسائر فادحة لأصحاب المحلات في المنطقة، كما جعل مرور المواطنين على الأقدام ضربًا من المستحيل، من حق الشعب المصري أن يستمتع بشوارعه وأن يتحرك فيها بحرية، ولا يجوز لأي جهة أن تصادر هذا الحق.
وأذكر هنا حكم المحكمة الإدارية العليا في السبعينات عندما أغلق الرئيس الراحل أنور السادات شارع كورنيش النيل بالجيزة أمام منزله، حينها أقام المحامي الراحل عبد الحليم رمضان دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، والتي انتهت بالحكم لصالح فتح الشارع، ما دفع الرئيس السادات إلى تنفيذ الحكم، وأضحى هذا القرار مبدأً قانونيًا يُحترم عبر الزمن.
السفارات بالطبع لها الحق في تأمين منشآتها داخليًا، لكن ليس من حقها إغلاق الشوارع العامة أو الاستحواذ عليها بأي ذريعة، وإذا كانت بحاجة لتأمين أعلى، يمكنها الانتقال إلى الحي الدبلوماسي في العاصمة الإدارية الجديدة، بعيدًا عن تعطيل حياة المواطنين.
الوضع في كورنيش النيل بجاردن سيتي ليس أفضل؛ إذ قامت بعض السفارات والقنصليات ببناء حواجز إسمنتية ضخمة تحجب الشمس، واستقطعت أجزاء من الشارع والأرصفة التي هي ملك للمصريين، هذه الممارسات تعد انتهاكًا صريحًا لحق المواطن في السير بحرية في الأماكن العامة.
وفي ظل الحديث عن المعاملة بالمثل، فمن حقنا أن نتظاهر ضد السفارات التي سمحت بالاعتداء على بعثاتنا الدبلوماسية، وأن نُغلق أبوابها كما حدث معنا، كذلك من حقنا التعبير عن رفضنا لموقف هذه الدول المتخاذل تجاه المجازر المستمرة في غزة ولبنان، ومع ذلك، يتم رفض جميع طلبات التظاهر في مصر دون توضيح الأسباب.
الغرب يبدو وكأنه يؤمن بحرية التظاهر فقط عندما تخدم مصالحه، بينما يقف بالمرصاد لكل احتجاج يتعارض مع مصالحه، وبالأخص إذا كان موجّهًا ضد الكيان الصهيوني.
الرئيس الأمريكي اتخذ إجراءات عقابية ضد الجامعات التي أعلن طلابها التضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة، بريطانيا وفرنسا اعتقلتا عددًا من المتضامنين قبل أحداث السفارة المصرية بيوم واحد.
أوروبا بأكملها تقريبًا لا تسمح بالتظاهر ضد إسرائيل، باستثناء إسبانيا التي أبدت موقفًا واضحًا وصريحًا منذ اليوم الأول ضد المجازر في غزة، وشعبها رفع العلم الفلسطيني على شرفات المنازل.
الآن نأمل أن تبادر السلطات المصرية بإعادة فتح الشوارع المغلقة في جاردن سيتي لإعادة الحياة لأصحاب المحلات وتعزيز حركة المرور كما كانت سابقًا، أما السفارات الأجنبية فعليها أن تؤمن نفسها داخليًا إذا اختارت البقاء في المنطقة، أو أن ترحل إلى العاصمة الإدارية الجديدة دون تعطيل حياة الناس أو الاعتداء على حقوقهم العامة.













