بهذه العبارة المؤثرة ختمت صحفية أجنبية تقريرها من قلب غزة: «غزة لم تعلمني السياسة بل علّمتني الحياة»، لم تكن كلمات عابرة، بل خلاصة تجربة إنسانية عميقة عاشتها وسط مدينة تُحاصر وتُقصف، لكنها تأبى الانكسار.
في تقريرها المطوّل، وصفت الحياة كما تراها عيناها، طفولة تتحدى الخوف، شباب يواجهون الموت بثبات، نساء يتحملن الفقد والفقر بصبر، وشيوخ يورّثون العزم للأجيال.
رأت المباني والأسواق والطرقات المدمرة، لكنها أدركت أن وراء هذا الركام إرادةً جماعية لشعب كل ذنبه أنه يريد تحرير وطنه من الاحتلال.
التقت بمقاتلٍ من القسام، فكان حديثه درسًا في الصبر والإيمان وإدارة المعركة، لم يكن يعنيه كثيرًا إن كتبت الصحفية تقريرها أو لم تكتبه، فقد سبقها آلاف من شهود العيان.
لكنه أراد أن يترك لها شيئًا مختلفًا، فقال لها: «سأعلمك سورة الفاتحة… نحن المقاتلين نبدأ بها صباحنا وطعامنا وقتالنا، ومنها نستمد القوة والجلد والصبر».
حين شرح لها كيف يرددون في كل لحظة، اهدنا الصراط المستقيم، أدركت أن السر في هذا الثبات ليس السلاح وحده، بل العقيدة الراسخة والإيمان العميق.
كانت تلك اللحظة بالنسبة لها انقلابًا داخليًا، إذ جردها من ذاتها وجعلها ترى أن ما تظنه مجرد مواجهة عسكرية هو في جوهره معركة روحية.
استمعتُ إلى تقريرها وكأنني أشاركها التجربة، فشعرت بمزيج من المشاعر المتناقضة أمام هؤلاء الرجال، كيف لهم كل هذا الثبات والقوة، بينما نحن نتهاوى من تعبٍ بسيط أو من حرارة شمسٍ حارقة؟!
لكن رسالتها كانت أعمق من مجرد وصف، لقد طمأنتنا أن غزة بخير، وأن القضية الفلسطينية لم تمت، حتى وإن خذلتها قيادات سياسية متناحرة بين أبو مازن ودحلان وشركائهما، أكدت لنا أن فلسطين ستتحرر، وأن الاحتلال – مهما طال – سيزول.
لقد قدّم أبطال غزة للعالم درسًا ليس في الصمود فقط، بل في الهجوم الجريء والقتال الشرس، أعادوا تعريف مفهوم «المسافة صفر»، وأثبتوا أن أسر جنود الاحتلال والمساومة بهم ليس مجرد تكتيك عسكري، بل رسالة بأن الضعيف حين يؤمن بقضيته لا يعود ضعيفًا.
هؤلاء الأبطال ذكّرونا برجالات الأمة الأوائل، وأعادوا إلى الذاكرة ما كاد المتخصصون ينسونه من سجلات العسكرية، نعم، الثمن باهظ، والدماء غزيرة، لكن الأوطان لا تسترد إلا بالتضحيات.
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل مدرسة للحياة، تعلّمنا أن السياسة قد تخذل، لكن الإيمان لا يخذل، تعلّمنا أن الحرية ليست شعارًا، بل دماء وأشلاء وصبرٌ متوارث، تعلّمنا أن الشعوب التي تتمسك بعقيدتها أقوى من أي آلة حرب.
ولهذا… غزة لم تعلّم الصحفية الأجنبية السياسة، بل علّمتها الحياة، وعلّمتنا نحن معها أن درب الحرية قد يكون طويلًا، لكنه يبدأ دائمًا من اهدنا الصراط المستقيم.













