لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحوّل إلى معضلة سياسية عميقة عنوانها الأبرز ظهور حكومتين متوازيتين.
من جهة يقود الفريق عبد الفتاح البرهان حكومة رسمية تعمل من بورتسودان وتقدم نفسها كامتداد شرعي للدولة السودانية، ومن جهة أخرى أعلن محمد حمدان دقلو (حميدتي) مؤخرًا تشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرته، في خطوة غير مسبوقة تنذر بخطر تقسيم صامت يتكرس يومًا بعد يوم.
السودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر 2018 مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، لم يتصوروا أن ينتهي بهم المطاف أمام حرب أهلية مدمرة، تحالف البرهان وحميدتي ضد نظام البشير، لكنه انهار سريعًا مع صراع النفوذ بين الطرفين.
وسرعان ما تحوّل الخلاف السياسي إلى حرب مفتوحة، خلفت آلاف القتلى وملايين النازحين، فيما فشلت الوساطات الإقليمية والدولية في فرض هدنة مستقرة تعيد للدولة تماسكها.
إعلان حميدتي تشكيل حكومة موازية ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو إقرار عملي بوجود كيان سلطوي ينافس الدولة الرسمية.
بينما تسعى حكومة البرهان في الشرق إلى كسب الاعتراف الدولي، تعمل سلطة الدعم السريع على ترسيخ مؤسسات بديلة لتقديم نفسها كحكومة أمر واقع.
هذا المشهد يضاعف معاناة المواطن الذي يعيش بين سلطتين متصارعتين، ويُفقد السودان وحدته ومكانته.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي، فدارفور، ذات التاريخ الطويل من النزاعات الجهوية، قد تتحول إلى قاعدة لسلطة مستقلة إذا استمر الوضع الراهن.
وهنا يطل شبح سيناريو جنوب السودان 2011، حين انتهى الصراع إلى انفصال دائم أضعف البلاد وزاد من هشاشتها، ومع وفرة الذهب والموارد الزراعية والموانئ، فإن أطرافًا إقليمية ودولية قد تجد في تقسيم السودان فرصة لتأمين مصالحها الاستراتيجية على حساب وحدة الدولة.
الأزمة السودانية تلقي بظلالها على الجوار المباشر.. مصر تخشى تداعياتها على أمنها المائي والحدودي، وتشاد تعاني من تدفق اللاجئين والسلاح، بينما تتابع إثيوبيا التطورات بعيون مفتوحة على توازنات القرن الإفريقي.
وعلى الجانب الدولي، تتنافس قوى كبرى على النفوذ في البحر الأحمر وموارد السودان، وهو ما يعقّد فرص الحل ويغذي إطالة أمد الحرب.
المشهد السوداني يطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1- تسوية سياسية شاملة تفرضها ضغوط إقليمية ودولية، وهو احتمال ضعيف لكنه الأجدر بالتحقق إذا توافرت الإرادة.
2- استمرار الحرب وتحول السودان إلى دولة فاشلة، تنهكها الفوضى وتضعف نسيجها الاجتماعي.
3- التقسيم الفعلي بين سلطة في الشرق وأخرى في الغرب، وهو أخطر الاحتمالات وأكثرها تكلفة على السودان والمنطقة.
باختصار.. إعلان حميدتي تشكيل حكومة موازية، إلى جانب حكومة البرهان في بورتسودان، يكرس واقعًا شديد الخطورة، ويمهد الطريق أمام تقسيم فعلي للسودان إن لم يتم تداركه سريعًا.
المطلوب اليوم جهد عربي وإفريقي عاجل يضغط نحو وقف إطلاق النار وتوحيد السلطة، قبل أن تتحول الخلافات إلى حدود دائمة وكيانات متصارعة.
التاريخ يعلمنا أن تقسيم الأوطان يبدأ دائمًا من صراع النخب، لكن ضحيته الأولى والأخيرة تظل الشعوب.










