منذ أن صعد دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، أصبح من الواضح أن هذا الرجل لا يمثل فقط خطرًا داخليًا على الولايات المتحدة، بل خطرًا خارجيًا على استقرار العالم كله.
ترامب لا يتحرك وفق عقيدة سياسية واضحة أو فلسفة نابعة من مدرسة فكرية، بل يتحرك وفق نزوات شخصية ومصالح اقتصادية وتحالفات معقدة مع قوى المال والسلاح.
إنه رجل يستثمر في الفوضى، يزدهر على الأزمات، ويعيش على تغذية العنف والانقسام.
ترامب لم يكن يومًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل كان دائمًا تاجرًا ورجل أعمال، يرى العالم كسوق مفتوح يجب السيطرة عليه بالمفاوضات المسمومة أو بالصفقات القذرة أو بالضربات الاستباقية، ولا يهم إن كانت دبلوماسية أم عسكرية.
خلال ولايته الرئاسية، انسحب من اتفاقات دولية كانت تشكل توازنًا حساسًا مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران، وأشعل الحروب التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي، وزرع الشكوك في تحالفات استراتيجية مثل الناتو.
كانت قراراته دائمًا تتجه نحو كسر النظام العالمي المتماسك، في محاولة لإعادة صياغته وفق مفهومه الخاص: «أمريكا أولاً»، وهو الشعار الذي لم يكن إلا قناعًا قوميًا لهيمنة اقتصادية وعنصرية متغطرسة.
سياسيًا، يمثل ترامب الخطر الأكبر على الديمقراطية، ليس فقط الأمريكية بل العالمية، لأنه نجح في تحويل الكذب إلى أداة شرعية، ونقل خطاب الكراهية من الهامش إلى قلب الخطاب السياسي الرسمي.
لقد حرض على العنف، وشجع العنصرية، وهاجم الإعلام، وأهان القضاء، وساهم في تآكل ثقة الشعوب في المؤسسات الديمقراطية.
هو من أشعل نيران الكراهية وأعاد للأذهان خطاب الفاشية القديمة ولكن بحلة حديثة.
يكفي أن نتأمل في مشهد اقتحام الكابيتول الأمريكي عام 2021 لنفهم حجم ما زرعه ترمب في قلوب أتباعه: شعبوية متطرفة لا تؤمن بالقانون بل تؤمن بـ«الزعيم الأوحد».
اقتصاديًا، ترامب ليس المنقذ كما يحاول تصوير نفسه، بل هو الوجه النيوليبرالي المتوحش الذي سخر أدوات الدولة لخدمة الأغنياء وكبار الشركات، وأغرق الاقتصاد الأمريكي في حروب تجارية كانت عواقبها كارثية على المزارعين والعمال، وعلى اقتصاديات الدول النامية المرتبطة بالسوق الأمريكي.
أما وعوده بعودة الوظائف فقد كانت مجرد دعاية انتخابية. الوظائف التي عاد بها كانت في أحسن الأحوال مؤقتة، والأجور لم تلحق بتضخم السوق، وكل ذلك بينما استمر تخفيض الضرائب على الشركات العملاقة، ما زاد من الفجوة بين الطبقات وزرع بذور أزمات اقتصادية لاحقة.
أما أمنيًا، فترمب هو التهديد ذاته. لقد أضعف التحالفات الأمنية التقليدية وشكك في التزام أمريكا تجاه حلفائها، وساهم بتغذية النزاعات المسلحة إما بالتدخل المباشر أو عبر دعم أنظمة قمعية بالمال والسلاح.
ساهم في عسكرة السياسة الدولية، وفتح شهية الدول على سباقات التسلح مجددًا، وسحب الدعم من برامج نزع السلاح، ووقف في صف أنظمة الاستبداد تحت مبررات براجماتية لا تليق بدولة تدعي قيادة العالم الحر.
علاقته المشبوهة باليمين المتطرف العالمي، ودعمه للأنظمة العنصرية والاستعمارية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني، كلها تشي بأن هذا الرجل لا يمكن الوثوق به في أي صيغة لتحقيق السلام العالمي.
إن عزل ترامب ليس مهمة أمريكية داخلية فقط، بل هو مطلب عالمي يفرضه منطق السلام والأمن الدولي.
ولا يعني العزل بالضرورة فقط منعه من الترشح أو سجنه في قضايا داخلية، بل يجب أن يشمل أيضًا تحجيم دوره الإعلامي، ومحاسبة شبكات المال والدعم التي تقف وراءه، ووقف تمدده في المنصات السياسية حول العالم.
هو خطر متنقل، يستغل الهشاشة في الأنظمة الديمقراطية، ويتسلل من الشقوق التي يتركها الفقر والجهل والانقسام الاجتماعي.
لا ينبغي التعامل مع ترمب كحالة فردية، بل كأيديولوجيا فوضوية تتغذى على الشقاق والكراهية. إن العالم الذي يسعى نحو العدالة البيئية والسلام المستدام وحقوق الإنسان لا يمكن أن يسمح لرجل مثل ترمب أو من هم على شاكلته بالتحكم في مصيره.
يجب على المؤسسات الدولية أن تضع آليات لردع الزعماء الذين يتلاعبون بمصير الشعوب، وأن يتم التعامل مع التحريض السياسي على أنه جريمة أمن قومي لا تقل خطرًا عن الإرهاب المسلح.
نحن لا نطلب الانتقام من ترمب، بل نحذر من بقائه لاعبًا على الساحة. فكلما ارتفعت أسهمه، انخفضت قيمة الإنسان.
وكلما صعد خطابه، تراجعت فرص التعايش. وكلما عاد إلى الواجهة، عاد العالم إلى الحافة.
لذلك، فليكن عزله سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وأمنيًا هو مشروع البشرية في هذه المرحلة، وليكن الوضوح هو سلاحنا، فلا وقت للمجاملات ولا مكان للخوف.
ترامب ليس مجرد رئيس، بل هو فيروس سياسي، وإذا لم يتم عزله تمامًا، فسنظل ندفع ثمن وجوده طويلًا.
قيادي عمالي ومحلل سياسي
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














