لا شك أن الإعلام يُعدُّ أحد أبرز الأدوات التي تسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه الجماهير نحو الحقيقة، فقد كانت هذه المهنة على مدار السنوات تُجسّد دورًا عظيمًا في كشف الفساد، ونصرة المظلومين، والتصدي للظلم والجريمة، فضلًا عن السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن الإعلام ليس مجرد مهنة بسيطة أو جانب ترفيهي؛ بل هو رسالة شاقة تتطلب مجهودًا هائلًا، ومثابرة، وتحقيقًا دقيقًا قبل بث أي معلومة أو سرد أي قصة.
من يمتهن هذه المهنة يلتزم أمام ضميره وأمام المجتمع بصدق الكلمة وصحة المحتوى، فالصحفي أو الإعلامي يعاني أحيانًا من ضغوط نفسية كبيرة بسبب التحديات التي تصاحب رحلة البحث عن الحقائق.
ولكل قضية يُعمل عليها، يعيش الإعلامي تفاصيلها بكل أبعادها، ما يضعه أمام مسؤولية ثقيلة تتطلب التضحية والالتزام الأخلاقي.
ومع كل الجهد المبذول، لا يزال البعض ينظر إلى الإعلام بعين ريبة بسبب ظاهرة خطيرة بدأت تتسلل إلى المهنة وهي «التجارة بالإعلام»، بدلًا من أن يكون ناقلًا للحقيقة ونصيرًا للجماهير، تحول عند البعض إلى منصة لخدمة المصالح الشخصية أو التجارية.
باتت بعض القنوات نفسها تعرض حلقات إعلامية مدفوعة الثمن تنشر محتوى مليئًا بالمغالطات والأكاذيب، وغالبًا ما تسفر هذه الممارسات عن أضرار جسيمة تطال الأفراد والمجتمع بأسره.
أن يصل الأمر إلى استضافة ضيوف دون احترام قواعد المهنة أو أخلاقياتها، وإهانتهم لتحقيق مشاهدات أعلى أو إثارة الجدل؛ فهذا يسلب الإعلام رسالته الحقيقية.
كما أن اختزال النجاح الإعلامي بفكرة الشكل الخارجي أو باستخدام العلاقات الشخصية بات خطًا شائعًا بين البعض، في حين أن النجاح الحقيقي يتطلب موهبة فطرية وجهد متواصل لبناء اسمٍ ذي مصداقية وسمعة نظيفة.
هذا التراجع في القيم المهنية يجعلنا نتساءل كيف يمكن الحفاظ على هيبة الإعلام واستمرار دوره الحضاري؟ وكيف نحارب الظواهر السلبية التي أصبحت تروج للتفاهة والسطحية، خاصةً في العصر الذي أضحى فيه الإنترنت وتطبيقات مثل«تيك توك» منصة لإنتاج المحتوى غير الهادف؟
الإعلام لم يكن يومًا أداة للتفاخر أو واجهة اجتماعية فارغة بل هو رسالة تحمل بين طياتها معاني التضحية والجد والعمل.
هناك نماذج مشرقة في التاريخ الإعلامي تبرهن على ذلك، مثل سلوى حجازي وليلى رستم، وغيرهما ممن استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في وجدان الجمهور نتيجة للجهد المخلص والعمل المتأني.
أما اليوم، فالبعض يلجأ إلى شراء حلقات وإفراغها من كل قيمة لتصبح مجرد وسيلة لنشر التفاهات وتغييب الفكر الواعي والأخلاقي.
النجاح الإعلامي يتطلب فهمًا عميقًا لدور هذه المهنة، واستثمار الشخص لمواهبه في تحقيق النجاح، أما الاتكاء على مجهود الآخرين أو استغلال علاقاتهم للوصول إلى الهدف دون امتلاك المهارات الحقيقية اللازمة؛ فهو طريق قصير الأمد يؤدي بلا شك إلى الفشل الذريع.
الإعلام يظل رسالة نبيلة تقتضي الالتزام بقيمه وأصوله، فإن لم يكن قائمًا على الإخلاص والجدارة والمصداقية فسيظل بعيدًا عن تحقيق أهدافه الحقيقية كمهنة ورسالة تعكس صورة المجتمع وتؤثر فيه إيجابيًا.
للمزيد من مقالات الكاتبة اضغط هنا













