لم يعد ما يجري في منطقتنا العربية والإسلامية مجرد صراعات متفرقة أو أزمات محلية عابرة، بل بات مشهدًا شاملًا يكشف عن مخطط أكبر يعيد إلى الأذهان اتفاقية سايكس بيكو قبل أكثر من قرن، حين قُسمت أوطاننا كغنيمة بين القوى الاستعمارية.
اليوم، ومع تعقّد الأوضاع من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى ليبيا وسوريا، تبدو ملامح التفتيت الجديد أكثر وضوحًا وجرأة.
انهيار الدولة الوطنية في عدد من البلدان العربية، وتحولها إلى كيانات هشة تتنازعها المليشيات، ليس صدفة.
في سوريا وليبيا واليمن، وفي السودان اليوم مع حكومة موازية وحرب أهلية، نجد نمطًا متكررًا، تفجير الداخل لإضعاف الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.
فلسطين تحولت إلى بؤرة الإبادة الجماعية أمام أنظار العالم، حيث يمارس الاحتلال الإسرائيلي حربًا شاملة على غزة والضفة، بدعم غربي مكشوف وصمت عربي رسمي يقترب من التواطؤ.
الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لم يتخلوا عن استراتيجيتهم القديمة – الحديثة، الفوضى الخلاقة.
صناعة الفوضى ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتفكيك الدول وإعادة تشكيلها وفق مصالحهم، والاحتلال الإسرائيلي يظل المستفيد الأول من هذه الخريطة الجديدة، حيث يطرح ما يُعرف بـ«الشرق الأوسط الجديد» الذي يضمن له التفوق المطلق وسط كيانات ضعيفة ومتناحرة.
هذا السيناريو لا يختلف كثيرًا عن سايكس بيكو، وإن ارتدى اليوم قناع «حقوق الإنسان» و«الحروب على الإرهاب»، ليخفي جوهره الاستعماري.
أمام هذا الواقع، تبدو المواقف العربية والإسلامية مترددة، باهتة، وأحيانًا منقسمة، جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لا تتجاوزان البيانات الباردة، بينما يستعر الحريق في غزة والسودان واليمن.
أخطر ما في المشهد أن بعض الأنظمة تنشغل بصراعات داخلية أو إقليمية ثانوية، تاركة المشروع الصهيوني – الغربي يتمدد دون مقاومة حقيقية.
إن مواجهة هذه المشاريع لا تكون بالشعارات ولا بالرهان على القوى الكبرى، بل ببلورة مشروع عربي – إسلامي موحّد يقوم على:
التمسك بالهوية الجامعة في مواجهة الانقسامات المذهبية والطائفية.
بناء تحالفات استراتيجية مع قوى صاعدة كالصين وروسيا وأميركا اللاتينية، لكسر الاحتكار الغربي.
استثمار القوة الناعمة إعلامًا، وثقافةً، واقتصادًا، بما يجعل للأمة صوتًا مؤثرًا على الساحة الدولية.
إعادة تعريف الأمن القومي العربي على أنه أمن جماعي لا يتجزأ، يبدأ من فلسطين وينتهي عند آخر حدود الأمة.
باختصار.. لسنا أمام مؤامرة خفية، بل أمام مشروع تفتيت معلن يراه كل ذي بصيرة، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب قادرة على قلب الموازين حين تتوحد.
اليوم، على قادة العرب والمسلمين أن يدركوا أن الوحدة ليست ترفًا سياسيًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل شرط بقاء.
التاريخ لن يرحم من فرّط في دماء غزة، أو ترك الأمة تتفتت على موائد سايكس بيكو جديدة.














