الغرب الذي يوزع على العالم دروسًا في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، هو ذاته الذي يتعامى عن صور آلاف الأطفال تحت الركام في غزة، فجأة اختفت دموعه المصطنعة على الحريات، وسقط قناع الإنسانية الذي طالما ارتداه.
لقد انكشف المستور «حقوق الإنسان» في القاموس الغربي مجرد بضاعة للتصدير، تُستخدم كسلاح ضد خصومه، وتُغلق الرفوف حين يتعلق الأمر بإسرائيل.
ألم يقولوا إن القيم لا تتجزأ؟ لكنهم أثبتوا أن القيم عندهم تُفصَّل على المقاس، كبدلة أوروبية فاخرة، فإذا انتقدت دولة عربية، انهالت التقارير والبيانات والمؤتمرات.
وحين تكون إسرائيل هي القاتل، تتحول حقوق الإنسان إلى قضية إجرائية «تحقيق داخلي»، «خطأ غير مقصود»، «حرب على الإرهاب»، أي إنسانية هذه التي تُقاس بجنسية الضحية؟
هل الغرب حقًا مهتم بحقوق الإنسان؟ الحقيقة أنه مهتم فقط بحقوق شركات السلاح والبنوك ولوبيات الضغط، كل صاروخ يسقط على غزة يعني أرباحًا جديدة لمصانع الموت، كل برميل غاز من شرق المتوسط يعني ورقة ضغط إضافية.
أمام هذه المصالح، يصبح دم الأطفال مجرد «خسائر جانبية»، هذا هو قاموسهم، وهذه هي عدالتهم الانتقائية.
لم يعد أحد يأخذ الأمم المتحدة ومجلس الأمن على محمل الجد، ما فائدة البيانات والتقارير إذا كان الفيتو الأمريكي جاهزًا في كل مرة لإنقاذ إسرائيل؟ الغرب لم يكتفِ بتدمير مصداقيته، بل دمّر النظام الدولي كله.
لم يعد العالم يؤمن بحَكم يُطلق صافرة المباراة ثم ينزل ليشارك فريقه في تسجيل الأهداف.
كان الغرب يتباهى طويلًا بأنه «ضمير العالم»، لكن ما يحدث في غزة حوّله إلى نسخة باهتة من جلاد يرفع المصحف في يد والسيف في اليد الأخرى.
لقد خسروا الرصيد الأخلاقي الذي بنوه لعقود، وأصبح خطابهم مادة للتهكم في شوارع لندن وباريس قبل شوارع القاهرة وغزة.
الشعوب لم تعد تنخدع، والوعي العالمي بدأ يفرز مناعة ضد هذا النفاق الممنهج.
باختصار.. لم بعد أحد يصدّق أسطوانة «حقوق الإنسان» التي تصدر من واشنطن أو بروكسل، فالغرب سقط أخلاقيًا، ولم يعد يصلح حتى لتوزيع شهادات حسن السلوك.
وبدلًا من أن يُحاسب غيره، عليه أن يبدأ أولًا بمحاسبة نفسه، أما نحن، فعلينا أن نفهم الدرس العدالة لا تُمنح من الخارج، ولا تأتي بقرار دولي، بل تُصنع بيد الشعوب التي تدفع الثمن دمًا وصمودًا.












