الهجوم الإسرائيلي على قادة من حركة حماس داخل قطر لم يكن مجرد عملية نوعية أو ضربات سريعة معتادة، بل هو إعلان فاضح بأن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء، متجاهلة الحدود الجغرافية والسيادة الوطنية للدول.
تتصرف إسرائيل بشكل أقرب إلى «بلطجي عالمي»، تضرب حيثما تشاء دون اكتراث بالقوانين الدولية أو اعتبار للتحالفات الإقليمية.
الأهم أن هذا التصعيد المفاجئ، جاء في ظل وجود أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة على الأرض القطرية، مما يزيد من المشهد تعقيداً ويبعث برسائل خطيرة متعددة الاتجاهات في آن واحد.
تشير العملية بتوقيتها وموقعها، إلى تغير جوهري في قواعد اللعبة الأمنية في المنطقة، عندما تصل يد إسرائيل إلى قلب دولة خليجية تستضيف أهم قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، فهذا يعني أن أمن الخليج بأسره بات عرضة لانتهاكات غير مسبوقة.
الرسالة واضحة للجميع لا سيادة محصنة، ولا خطوط حماية مضمونة، وكل الدول تحت رحمة القوى الكبرى التي تفرض هيمنتها بالقوة.
العملية ليست فقط موجهة ضد حركة حماس، بل تحمل أبعادًا أعمق تتخطى الفصيل الفلسطيني لتطال الكرامة العربية بأسرها.
وكأن إسرائيل تعلن للعرب بكل جرأة: «أنتم عاجزون أمام قوتنا، لا حصانة لسيادتكم ولا وزن لتحالفاتكم».
إنها إهانة مباشرة تكشف عن هشاشة السيادة العربية في مواجهة القوة الإسرائيلية التي باتت تتصرف وكأنها فوق القانون.
التجاهل الغربي لهذا التصعيد المثير يضيف سطرًا جديدًا في كتاب ازدواجية المعايير الدولية، لو أن دولة عربية قامت بعمل مشابه داخل أوروبا أو أي أرض غربية، لأصبحت القضية حديث الإعلام العالمي وتحركت مؤسسات دولية لمحاسبة الفاعلين.
ولكن حين تأتي الضربة من إسرائيل وفي قلب الدوحة، يصبح الصمت المطبق موقفًا مألوفًا، هذا الموقف يثير تساؤلات حول مكانة السيادة العربية مقارنة بغيرها، والتي يبدو أنها تُعتبر أقل شأنًا في ميزان القوى الدولية.
العملية تضع الولايات المتحدة، حليفة الخليج الرئيسية، في أزمة مقلقة، كيف يمكن تفسير اختراق أمني بجوار أكبر قاعدة لها بالمنطقة دون رد فعل رادع؟ هل أمن إسرائيل يتقدم دائمًا على أمن حلفاء واشنطن الخليجيين؟ الأسئلة هذه تلقي بظلالها على طبيعة التحالفات وقد تدفع نحو إعادة النظر في العلاقات الإقليمية ورسم خطوط جديدة للأولويات الاستراتيجية.
العملية الأخيرة تؤكد مجددًا قدرة الموساد على اختراق أي مكان وأي نظام أمني، من اغتيالات داخل العواصم العربية إلى عمليات جريئة في إيران، والآن وصولًا للدوحة، يبدو أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي يتحرك بمنطق القوة المطلقة غير المبالية بأي عوائق.
هذه الجرأة تثبت أن الردع لن يأتي إلا عبر قوة مقابلة تكبح جماح المغامرات الإسرائيلية المتكررة.
ما حدث في قطر ليس مجرد ضربة عسكرية أو حادث عابر، بل إنذار صريح لكل الدول العربية، اليوم ضربت إسرائيل في الدوحة، وغدًا قد تصل إلى أي عاصمة أخرى دون خوف من تداعيات.
الصمت العربي أمام هذا التطاول الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى قرارات رادعة وسريعة، سيجعل من المنطقة بأسرها ساحة مفتوحة للهيمنة الإسرائيلية المطلقة، ما يفرض تحديات كبيرة أمام قادة المنطقة وشعوبها في مواجهة هذا الواقع المرير.













