أيّ عرب نحن؟
وأيّ عروبة ننتمي إليها؟
ليست هذه عروبتنا، لا قيمنا ولا أخلاقنا، صرنا أمّة تلبس شعاراتٍ فارغة، بينما من حولنا تُستباح الأعراض وتُدكُّ البيوت وأطفالٌ يدفنون تحت ركام الصمت.
في غزة يصرخ النساء والأطفال والعجائز حتى بحّت أصواتهم، فلم يعد يسمعهم أحد إلا الله.
أما نحن، فنرسل بياناتٍ رقيقة تُطرب الصحف ولا تُغيّر شيئًا على أرض الواقع.
ذِكرى ذي قار ليست حكاية بطولية لنخلّدها في كتب التاريخ فحسب، بل درسٌ عملي، حين طلب كسرى امرأةً عربية، فضّل النعمان الموت على أن يسلّم «حرة»، فاجتمع العرب من بكر إلى تميم ووقفوا دفاعًا عن العرض والكرامة، فكانت أول انتصاراتهم على الفرس رايةً للنخوة.
ذي قار لم تُشترَ بالنفاق ولا بالتصريحات؛ ذي قار وُلدت من غضبٍ عابر تحوّل إلى فعلٍ جماعي.
واليوم، غزة تصرخ بآلاف الأرواح، ونحن نسلّمها بلا ذرة حياء، نساءً وبناتٍ وأطفالًا يُهدر دمهم، وأرضًا تُحتل، وكرامةً تُنتهك، بينما بعض من يقررون أعينهم على مصالحٍ آنيةٍ مع المعتدي.
أي عار هذا؟
أي خذلان؟
أي عروبة هذه التي تقايض الدم والأعراض بالصفقات؟
فماذا على المجتمعين في الدوحة أن يفعلوا كي لا يتحول اجتماعهم إلى مهرجان صور تذكارية يدفن الأمل؟
عليهم أن يحولوا الغضب إلى أدوات ضغط حقيقية، لا بياناتٍ تَطْهُر على ورقٍ مجرد. والخيارات واضحة ومباشرة:
أولاً: إعلان خطوات دبلوماسية فورية – استدعاء السفراء، تعليق أو تقليص العلاقات الرسمية مع من يموّل ويغطّي العدوان، وتعليق أي تعاون عسكري أو أمني قابل للتطبيق. كلماتٌ قوية دون مفعولٍ تبقى مجردَ اكتتابٍ في دفترِ العار.
ثانيًا: فرض آليات رقابية وضمانات إنسانية – فتح ممرات آمنة بإشراف دولي مستقل، قوافل مستمرة ومحمياتٍ طبية تحت رقابة ملموسة، وإيصال إغاثة لا تخضع لمساومات أو ابتزاز. إن لم يستطع الاجتماع تأمين حياة المدنيين، فكل خطاب سيبقى ريحًا بلا عشب.
ثالثًا: تنسيق قانوني دولي – توثيق الجرائم فورًا وتقديم شكاوى منظمة أمام المحافل الدولية، وتحريك آليات المساءلة الجنائية والدبلوماسية، العدالة ليست أملاً، بل أداة ضغط سياسية وقانونية.
رابعًا: حزمة عقوبات مستهدفة وقابلة للتنفيذ فورًا – تجميد عقود، مراجعة استثمارات، وقوائم استهداف للأفراد والكيانات المتورطة، ليس عقابًا من أجل العقاب، بل وسيلة لحرمان المعتدي من أدواته.
خامسًا: حملة إعلامية دبلوماسية موحدة تكشف الرواية المزيفة وتكشف المتعاونين وتضع القضية أمام الضمير العالمي بوضوح لا لبس فيه.
وكل هذه الطرق سلمية هادئة، قبل أن يأتي الطوفان الذي اعتقد انه لا يبقي ولن يذر.
إذا كان المجتمعون في الدوحة يريدون أن يعيدوا للأمة بعضًا من كرامتها، فعليهم ألا يرضوا ببياناتٍ رنانةٍ أو صورٍ تذكارية، عليهم أن يعلنوا دفتر شروط زمنيًا، ما ستفعله كل دولة ومتى، وما الآليات الرقابية، ومن سيتابع التنفيذ. ربط كل بيان بإجراءٍ ملموس هو وحده من يبقي الباب مواربًا للأمل.
إذا لم تفعل الدوحة ذلك، فستُصبح ذكراها صورًا على صفحات الصحف بينما تُدفن غزة في صمتٍ جديد، وإن لم نجد فينا ذي قار جديدة، فستصبح أمتنا ذكرى في سجل الأمم – تختار الراحة على الكرامة، والصمت على الفعل، والمصالح الضيقة على دماء الأبرياء، فهل لديهم الآن الشجاعة كي يختاروا العكس؟ أم سيغدو الاجتماع مهرجانًا يطحن الأمل ويزيد من خسة التاريخ؟













