القمة العربية في الدوحة لم تكن مجرد اجتماع عابر لالتقاط الصور التذكارية وارتشاف فناجين القهوة الفاخرة، بل كانت أشبه بكاميرا خفية ضخمة فضحت ما في النفوس قبل ما في النصوص.
من حضر سجل موقفاً، ومن غاب كشف عن حسابات أخرى لا تقل خطورة عن بنود البيان الختامي.
الغياب لم يكن بريئاً، فبعض القادة آثروا البقاء في أبراجهم العاجية، وكأن نيران المنطقة لا تخصهم، وكأن القصف في غزة لا يصل صداه إلى قصورهم، غيابهم كان أوضح من أي خطاب، رسالة صامتة لكنها مدوية: «لسنا هنا.. ولسنا معكم».
أما الحضور فكان صاخباً، والساحة اهتزت برسائل لا تحتاج إلى مترجم.. الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق كلماته كالصواريخ الموجهة نحو تل أبيب، رسائل زلزلت أركان الكيان الغاصب، وأكدت أن أمن مصر القومي ليس مجالاً للمساومة ولا التلاعب، لقد وضع النقاط فوق الحروف ورسم الخط الأحمر بلون الدم العربي.
الرئيس الإيراني جاء بخطاب أشبه بجرس إنذار، معلناً أن زمن الصمت انتهى، وأن المنطقة ليست حديقة خلفية لأحد.. أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد عزف على أوتار الغضب الشعبي، مستدعياً التاريخ والجغرافيا ليقول إن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مشهد الانهيار الأخلاقي.
ولم يكن الأمين العام لجامعة الدول العربية بعيداً عن هذا المشهد؛ فقد خلع عباءة البيانات التقليدية وارتدى ثوباً أكثر صراحة، مؤكداً أن الجامعة — ولو متأخرة — بدأت تتحسس طريقها نحو موقف أكثر جرأة.
باختصار.. القمة لم تكن مجرد قاعة مزدحمة بالوفود، بل مرآة كاشفة لوجوه القادة، من حضر سجل موقفاً للتاريخ، ومن غاب سجل على نفسه وصمة الصمت.
وبين هذا وذاك، بقيت رسائل السيسي ومن معه تعيد صياغة المعادلة، وتجعل تل أبيب تعيد حساباتها ألف مرة.














