في كل عام، تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث يلتقي العالم كله على منصة يفترض أنها تمثل العدالة الدولية، غير أن ما جرى هذا العام كشف بوضوح حجم الاستخفاف الذي يُعامل به العرب في هذه المحافل، ليس فقط من القوى الكبرى، بل أحيانًا من المنظومة الأممية نفسها التي صارت انعكاسًا لموازين القوة لا لميزان العدل.
أول مظاهر الإهانة برزت حتى قبل بدء الاجتماعات، حين مُنعت شخصيات عربية بارزة من الحصول على التأشيرات اللازمة لحضور الجلسات، وكأن الولايات المتحدة أرادت أن تبعث برسالة صريحة، أنتم هنا وفق شروطنا، لا وفق حقوقكم كأعضاء في منظمة دولية يفترض أنها للجميع.
هذا المنع لم يكن إجراءً إداريًا عابرًا، بل فعلًا سياسيًا يحمل في طياته سخرية مبطنة من قيمة الصوت العربي ومكانته.
ثم انعقدت الجلسات الكبرى، حيث تصدرت القضايا العربية كالمعتاد جدول الأعمال، فلسطين، الأزمات في المنطقة، الصراعات الداخلية.
لكن المفارقة المريرة أن هذه القضايا نوقشت بلسان غير عربي، وبأجندات غير عربية، جلس القادة العرب في المقاعد الخلفية، يستمعون إلى الآخرين وهم يتحدثون باسمهم، ويقررون عنهم، وكأنهم مجرد متفرجين على مصائر شعوبهم.
كان المشهد صادمًا؛ حضور بلا حضور، وجود بلا تأثير، وكأنهم ضيوف ثانويون في مسرحية تُدار أحداثها من وراء الكواليس.
اللحظة الأكثر إيلامًا جاءت عندما دعاهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاجتماع جانبي. لم يكن اجتماع قمة بين متكافئين، بل أقرب إلى درس توبيخي من مدير مدرسة لتلاميذ مهمَلين.
جلسوا أمامه في صورة أشبه بمشهد كاريكاتوري، زعيم يتحدث بثقة وغلظة، وقادة يصغون في صمت، بلا اعتراض ولا نقاش. بدا الأمر كما وصفه بعض المعلقين، اجتماع لتلاميذ خائبين في مدرسة البلداء.
هذه المشاهد، مجتمعة، تكشف عن حقيقة مرة، العرب في النظام الدولي الحالي ليسوا أصحاب قرار، بل مجرد تابعين يُستدعون حين يشاء الآخرون، ويُقصَون حين يريدون.
الولايات المتحدة وإسرائيل تتحركان وفق مصالحهما الواضحة، فلا لوم عليهما في سياق منطق القوة، لكن المأساة الكبرى أن العرب هم الذين ارتضوا لأنفسهم هذا الموقع المتواضع، ففقدوا القدرة على المبادرة، واكتفوا بدور المتلقي.
إن ما جرى في نيويورك لم يكن حادثًا معزولًا، بل امتدادًا لمسار طويل من التهميش والاستهزاء، والفرق أن هذا العام كان أكثر فجاجة، وأكثر كشفًا لحقيقة أن القضية ليست في يد واشنطن أو تل أبيب وحدهما، بل في غياب الإرادة العربية الجامعة. فالعالم لا يحترم إلا القوي، ولا يصغي إلا لمن يملك القدرة على فرض كلمته، أما من يكتفي بالجلوس في مقاعد المتفرجين، فلا ينال إلا السخرية والازدراء.
إن ما حدث في نيويورك ليس مجرد حادثة بروتوكولية عابرة، بل مرآة تعكس واقع الدور العربي في النظام الدولي، فالعالم لا ينتظر العرب كي يقودوا أو يبادروا، بل يتعامل معهم كأطراف ضعيفة لا تملك سوى رد الفعل.
وما لم تُدرك العواصم العربية أن مقعدها في الأمم المتحدة لا قيمة له من دون قوة حقيقية تستند إليها، فإن مشاهد الاستهزاء ستتكرر عامًا بعد عام.
فالمستقبل لا يرحم الضعفاء، والمنظمة الدولية – مهما ارتدت من شعارات المساواة – تحترم فقط من يفرض نفسه على الطاولة.
والسؤال الذي يظل معلقًا، هل يبقى العرب أسرى مشهد «تلاميذ المدرسة» إلى ما لا نهاية، أم يتعلمون أخيرًا أن الكرامة في الأمم المتحدة لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا؟










