هناك ثلاثة مواسم للهجوم على الزعيم جمال عبد الناصر يوم مولده 15 يناير وفي ذكرى ثورة يوليو 1952 أي في 23 يوليو وذكرى وفاته 28 سبتمبر حيث تشتعل وسائل التواصل أو التشاحن الاجتماعي بصورة بين قادح ومادح.
هذا يذكر مناقبه في تأميم قناة السويس وبناء مشروع القرن الذي لولاه لغرقت مصر في الظلام كما كانت تغرق القرى المحيطة بنهر النيل كل عام من الفيضان وأنه أصبح حبيب العمال والفلاحين حين ملكهم الأرض التي كانوا يعملون فيها بأجر زهيد لا يقيم أصلابهم فلا يسمن من جوع ولا يداوي أكبادهم التي التهمتها البلهاريسيا.
وأنه تسلم مصر والأمية 80% وتركها بعد 16 عاما وهي أقل من 50% وأنه كان سببا في تعليم كل أبناء الفقراء تعليما جامعيا بالمجان فأصبح منهم الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي بلا واسطة ولا محسوبية، ودشن ألف مصنع في سنوات قليلة ظلت عماد مصر لعقود في الصناعات الثقيلة ولو استمرت كما أراد لكنا الآن مع الهند التي بدأنا معها.
والمتخصصون في اقتصاد عبد الناصر يرون أن أكبر نسبة نمو اقتصادي كانت في عهده رغم نكسة 1967 والمحبون يرون أنه صادر الاقطاعيات الزراعية التي وهبها الملك لحاشيته وخاصته وذوي الحظوة والتي كانت تشكل ثلثي الأرض الزراعية ووزعها على الفلاحين فسكن في كل بيت في مصر وشارك العمال في مجالس إدارة المصانع والشركات فدخل قلوب البسطاء وأصبح واحدا من أفراد الأسرة فعلقوا صورته في كل بيت.
وعلى النقيض ترى فريق أخر يرون أنه كان مجرد مسدس صوت وكان كل همه الزعامة وأنه فرط في السودان التي كانت تحت التاج المصري والحقيقة موجودة في كتب التاريخ ولكن لا أحد يقرأ.
فلم تكن مصر أبدا تحكم السودان فهي تتمتع بالحكم الذاتي وتحت الاحتلال الإنجليزي لكليهما فكان يرسل بعض فرق الجيش المصري كإرساليات للسودان.
والبعض الأخر يرى أنه أضاع ذهب مصر في اليمن.. وأنصاره يرون أنه كان لابد من تأمين باب المندب لحماية الملاحة قي قناة السويس حيث كانت إنجلترا تحتل اليمن الجنوبي.
ولعلنا نرى ما سببته حملة الحوثيين بشمال اليمن الآن ضد بعض السفن مما عاد بالخسارة على اقتصاد مصر بالمليارات… والقادحين يشككون في جدوى تأميم قناة السويس وأنه لم يكن هناك داع من ذلك، فامتياز القناة كان سينتهي بعد عشر سنوات وأن التأميم تسبب في حرب 1956.
والتاريخ يقول إن بطرس بطرس غالي رئيس وزراء مصر 1910 ورئيس محمية دنشواي 1906 كاد أن يقدم للبرلمان خطة مد امتياز قناة السويس إلى 2009 أي بزيادة أربعين عاما ولذلك قام الشاب الصيدلي القبطي إبراهيم الورداني باغتياله والذي احتجت الجماهير على صدور حكم بالإعدام عليه وخرجت تغني وتجوب الشوارع عشية ليلة تنفيذ الحكم فيه.
قولوا لعين الشمس ما تحماشي لحسن غزال البر صابح ماشي… حيث منع الانجليز المظاهرات وقتها… هذا معناه أن بريطانيا العظمى لم تكن تفكر في ترك منطقة نفوذها في قناة السويس.
ويمتد الحديث إلى نكسة 1967 والتي انتقد فيها عبد الناصر الأداء لكل أجهزة الدولة في محاضر جلسات الاتحاد الاشتراكي بعد ذلك، والتي لا شك أنها من اخفاقات الزعيم التي يتحمل مسئولياتها السياسية.. صحيح أن الغرب وأمريكا وحتى أمين عام الأمم المتحدة قد نصبوا له الشرك ولكنه وقع فيه كما وقع صدام حسين وهذا ما كانوا يرنوا إليه لكسر شوكته بعد أن أيقظ كل الشعوب العربية والأفريقية للاستقلال ودحر القوة الاستعمارية.
كان لابد أن تسقط هيبة عبد الناصر لأنه ألب عليهم الشعوب المقهورة والمستضعفة والغريب أنه في نفس الوقت الذي هزمت فيه مصر هزمت سوريا ولبنان والأردن فهل هزمهم عبد الناصر؟.
ولكنه رغم هذا لم ينكسر ونهض يلملم الجراح ويقاوم وخاض حرب الاستنزاف حتى ذروتها إلى أن طلب روجرز وزير خارجية أمريكا وقف إطلاق النار حينما أطلق مبادرته التي سميت باسمه 1969.
نعم كان عبد الناصر بشر يصيب ويخطئ ولكنه عاش في قلوب الناس فكرة لا تموت وحلم لم يكتمل، عاش بعد موته بـ55 عاما ومازال الجدل مستمرا وهذا أصدق دليل على أنه فعل والفاعل لا يموت.
لقد رفعت ثورة يناير و30 يونيو صور عبد الناصر واستدعت كل أغاني عصره عاش في الميدان صلاح جاهين والأبنودي وعبد الحليم حافظ وكمال الطويل، وأصدق القول تسمعه من محمود السعدني وأحمد فؤاد نجم والأبنودي وإحسان عبد القدوس وكلهم قد دخلوا سجون عبد الناصر، ولكنهم جميعا برغم ما أصابهم يرفعون له القبعة بعد وفاته.
حتى قال الأبنودي.. يعيش عبد الناصر حتى في موته، لأن الجماهير دائما كانت تهتف بحياته، يعيش جمال عبد الناصر، ليس فقط الجماهير المصرية ولكن الجماهير العربية والأفريقية فلا تخلو عاصمة بل ومدينة عربية أو أفريقية من ميدان أو شارع أو جامعة باسم جمال عبد الناصر وذهب البعض إلى تسمية القرن التاسع عشر بقرن محمد علي والقرن العشرين بقرن عبد الناصر، فهل عاش حقا جمال عبد الناصر؟










