مرت اثنتان وخمسون سنة على ملحمة السادس من أكتوبر 1973، لكنها ما زالت تسكن الذاكرة الجمعية للمصريين والعرب كأحد أنصع فصول الكرامة والعزة الوطنية.
ذلك اليوم الذي استعاد فيه المقاتل المصري ثقته في نفسه، واستعادت الأمة العربية إيمانها بقدرتها على كسر الهزيمة وتغيير معادلات القوة في المنطقة.
لم يكن نصر أكتوبر مجرد معركة عسكرية، بل كان نقطة تحول سياسية واستراتيجية غيّرت وجه الشرق الأوسط، فحين عبر أبطالنا قناة السويس وحطّموا خط بارليف، لم يعبُروا فقط إلى الضفة الشرقية، بل عبروا أيضًا إلى وجدان الأمة العربية بأكملها، حاملين راية الكبرياء والانتصار.
لقد سطر الجندي المصري أروع الملاحم في الشجاعة والانضباط والإيمان بالوطن، إذ امتزجت دماؤه بتراب سيناء الطاهر، فصنع نصرًا تهاوت أمامه أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر».
وكانت الإرادة السياسية للرئيس الراحل أنور السادات هي الشرارة التي أعادت الثقة إلى جيش مصر وشعبها، فكانت المعركة مزيجًا من العبقرية العسكرية والإرادة السياسية والوحدة الشعبية.
لقد كانت حرب أكتوبر 1973 حرب العروبة الواحدة، حين توحد العرب لأول مرة منذ عقود خلف هدف واحد هو استرداد الأرض والكرامة.
من المحيط إلى الخليج، خفقت القلوب بنداء «العروبة تنتصر»، وسالت دماء الجنود العرب جنبًا إلى جنب على جبهات القتال.
شاركت الدول العربية بكل ما تملك؛ فمنها من قدّم الرجال، ومنها من قدم المال، ومنها من استخدم سلاح النفط كسلاح استراتيجي أربك موازين القوى العالمية.
في تلك الأيام المجيدة، ارتفع رأس العروبة عاليًا، وأثبتت الأمة أنها إذا توحدت إرادتها، تستطيع أن تفرض احترامها على العالم.
كانت أكتوبر رسالة تاريخية بأن وحدة الصف العربي هي سر القوة والعزة والسيادة.
ومع مرور أكثر من نصف قرن، تظل روح أكتوبر متجددة في كل لحظة تواجه فيها مصر تحديات وجودية، فاليوم، ونحن نبني جمهوريتنا الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نستلهم من أبطال أكتوبر قيم التضحية والانتماء والعمل الجاد.
لقد تحوّل سلاح الإرادة الذي انتصرنا به في المعركة إلى إرادة بناء وتنمية في معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة الوعي والبقاء والتنمية الشاملة.
ما زال السادس من أكتوبر يسكن الوجدان كنبض لا يخفت، وكأن صيحات النصر ما زالت تتردد في سماء الوطن، ذلك اليوم لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل ميلادًا جديدًا لروح مصر التي لا تنكسر مهما اشتد عليها الزمان.
من رمال سيناء خرجت رسالة خالدة تقول إن مصر لا تُقهر، لأن فيها شعبًا يعرف معنى التضحية، ويؤمن أن الكرامة أثمن من الحياة.
واليوم، ونحن نعبر معارك البناء والإعمار تحت راية الجمهورية الجديدة، نُدرك أن روح أكتوبر ما زالت تمشي بيننا، تُلهمنا أن كل إنجاز يبدأ بإيمان، وكل نصر يولد من صبر وإرادة.
سيظل أكتوبر رمزًا للعزة، ووعدًا لا ينكسر بأن مصر ستبقى ما بقي الضوء في عيون أبنائها، وما بقيت السماء تردد نداءها الخالد الله أكبر… وتحيا مصر.












