ها هو العالم يطوي صفحة من أكثر فصول الشرق الأوسط دموية، بعد أن خرج اتفاق شرم الشيخ للسلام إلى النور، حاملاً معه بارقة أمل جديدة لشعوب أنهكتها الحروب، وأرض دمرتها الصواريخ والدمار.
في المدينة التي وُلدت على فكرة السلام، جلست الأطراف المتصارعة إلى طاولة واحدة تحت مظلة الرعاية المصرية، لتُعيد القاهرة من جديد تعريف دورها كقلب نابض للسلام وصوت عاقل في زمن الجنون.
لكن يبقى السؤال الأهم: وماذا بعد اتفاق شرم الشيخ للسلام؟ هل يكفي أن تُوقع الأوراق وتُرفع الأعلام؟ أم أن الاختبار الحقيقي يبدأ من لحظة التوقيع نفسها؟
الجواب لا يكمن في البنود وحدها، بل في قدرة الجميع على تحويل الاتفاق إلى واقع ملموس، يعيشه المواطن.
السلام ليس بيانا دبلوماسيا، بل عملية بناء طويلة تتطلب ثقة، وإرادة، وعدالة.
لم يكن ما تحقق صدفة، بل ثمرة رؤية مصرية ثابتة آمنت منذ البداية بأن الاستقرار في المنطقة لن يُصنع بالسلاح، بل بالحكمة.
ومنذ اللحظة الأولى لتصاعد الحرب في غزة منذ السابع من أكتوبر2023، رفضت مصر الإبادة ورفضت التهجير، ودافعت عن الحق الفلسطيني في الوجود والأمن والكرامة.
قادت القاهرة تحركات ماراثونية في الكواليس، جمعت الأطراف المتباعدة، واستعادت زمام المبادرة حين عجزت القوى الكبرى عن إيجاد مخرج.
مصر لم تكن وسيطا يبحث عن دور، بل كانت ضمير المنطقة، وراعية الفكرة التي تقول إن السلام الحقيقي لا يُفرض، بل يُصنع بإرادة الشعوب وباحترام الحقوق.
المرحلة المقبلة أخطر من الحرب نفسها، لأنها مرحلة اختبار الإرادات، هل ستصمد بنود الاتفاق أمام رياح التطرف وضغوط الداخل؟ هل ستتحرك القوى الدولية بصدق نحو إعادة إعمار غزة وإطلاق عملية سلام شاملة؟
الإجابة ستحدد شكل المنطقة لعقود قادمة، فإما أن يتحول اتفاق شرم الشيخ إلى نقطة انطلاق نحو شرق أوسط أكثر استقرارا، أو أن يُضاف إلى سلسلة المبادرات التي توقفت عند حدود الورق.
لكن ما يجعل هذه المرة مختلفة هو أن السلام خرج من رحم المعاناة، لا من حسابات السياسة، وأن الأطراف باتت تدرك أن لا أحد سينتصر في حرب خاسرة.
التحدي الآن ليس الحفاظ على الهدوء فحسب، بل تحويل السلام إلى تنمية، والسلاح إلى إعمار، والدمار إلى حياة.
لن يدوم أي اتفاق إن لم يكن للناس نصيب من ثماره، ولن تتحقق العدالة إن بقيت الشعوب في فقر وخوف واحتلال، إن الأمن يبدأ من رغيف الخبز، والاستقرار يبدأ من مدرسة وبيت وفرصة عمل.. التنمية هي أقوى سلاح يمكن أن يحمي أي سلام من الانهيار.
من قلب شرم الشيخ خرجت الرسالة الأوضح، أن الشرق الأوسط لا يحتاج مزيدا من الدماء، بل مزيدا من الحكمة.
لقد أثبتت القاهرة أن الدبلوماسية الصادقة قادرة على صنع ما تعجز عنه الجيوش، وأن الحوار حين يُدار بعقل مصري رشيد يمكنه أن يُعيد للعالم توازنه.
هذه الرسالة ليست للفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، بل لكل من يظن أن الفوضى بديل عن الاستقرار، وأن العنف طريق للنفوذ.
ما حدث في شرم الشيخ ليس اتفاقا سياسيًا فحسب، بل تحول في الوعي العالمي نحو منطقٍ جديد، أن السلام ليس ضعفًا، بل قمة القوة.
مرة أخرى تثبت مصر أنها ليست مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل بوصلته الأخلاقية والسياسية.
من شرم الشيخ خرج صوتها حاسما، ينادي بالسلام لا بالاستسلام، وبالعدل لا بالمساومات.
في زمنٍ تتراجع فيه القيم أمام المصالح، وقفت القاهرة على الجانب الصحيح من التاريخ، تصنع المستقبل لا تتفرج عليه.
سلام شرم الشيخ ليس نهاية الطريق، بل بدايته.. بداية عهد جديد تعود فيه مصر قائدةً ورائدة وضميرا للأمة، لتقول للعالم أجمع: نعم.. فعلتها مصر، وصنعت من رماد الحرب شعلةً للسلام.










