عيد ميلاد سعيد رسالة حب بصرية وسمعية للبنات وللنساء الكادحات، لذلك كان جديرا للترشح لتمثيل مصر في الأوسكار، خاصة إنه يركز على البنات والنساء اللواتي عادةً ما يتم تهميشهن.
الفيلم مضيء وعميق التركيز، وتصميم إنساني غامر وطبيعي، بسرد سينمائي، أهميته ترجع لأنه يشيد بشخصيات تظهر عادة في الخلفية في معظم الأفلام.
فيلم افتتاح مهرجان الجونة في دورته الثامنة «عيد ميلاد سعيد»، تحفة فنية صغيرة هادئة لفيلم ينسج بطريقة ما نسيجًا مهيبًا من المشقة، وألم القلب، والخيال، وبراءة الأطفال، كل ذلك في قصة تتردد صداها بعمق وتظهر بوضوح بفضل الأداء العاطفي الجذري للمجموعة الرائعة من الفيلم.
عُرض فيلم عيد ميلاد سعيد لأول مرة عالميًا في مهرجان تريبيكا السينمائي الرابع والعشرين، تم تكريمه بجائزة أفضل فيلم روائي دولي بالإضافة إلى جائزة نورا إيفرون وأفضل سيناريو في فيلم روائي دولي.
عيد ميلاد سعيد دراما واقعية بتصوير رائع وجميل، تُقدم شخصياتها الرئيسية بحب وتعاطف، الفيلم من أخرج سارة جوهر، بطولة نيللي كريم، حنان مطاوع، حنان يوسف، شريف سلامه، تايسون، علي صبحي، حازم ايهاب، جهاد حسام الدين، خديجة أحمد، فارس عمر ضحي رمضان، وهو من انتاج أحمد الدسوقي وأحمد بدوي وأحمد عباس، ومن تأليف محمد دياب وسارة جوهر، وإخراج سارة جوهر.
أحداث الفيلم
تدور أحداث القصة حول طفلتين، تمثلا الشريحة الاجتماعية لعائلتين؛ الأولى من الطبقة الكادحة، والثانية من الطبقة فوق المتوسطة العليا تعيش في كومبوند على الطريق الدائري.
تسلط القصة الضوء على قضية عمالة الأطفال في المنازل، مع التركيز على الأطفال من القرى الريفية الذين يعملون في المنازل.
توحا، فتاة في الثامنة من عمرها تعمل خادمة لدى عائلة ثرية في القاهرة، تُصمم على تنظيم حفل عيد ميلاد مثالي لنيللي، ابنة مخدومتها. إلا أن التسلسل الاجتماعي بين المخدومة والخادمة يُجبر الطفلة على مواجهة واقع قاسٍ.
الدور الذي قدمته حنان مطاوع بتمكن يرمز إلى امرأة شابة ودودة تعمل بجد من شروق الشمس إلى غروبها من أجل أطفالها بعد رحيل زوجها. تلك الشخصية كتبت بعناية، شخصية ذات ملامح مُفصّلة وصادقة للغاية، حيث تُسهم كل دعامة مُوزّعة بعناية في إضفاء حس المكان والزمان على الفيلم.
ولا تقلّ أصالةً المشاعر المُعبّر عنها من خلال الأداء المُبهر لحنان مطاوع. شخصية فطرية، وقد جعلها كاتبي السيناريو قريبة من القلب ومُثيرة للتعاطف. كما لعبت نيللي كريم دور المرأة الأخرى، الشخصية التي كان من السهل أن تُصبح هشة، لكنها في المقابل مليئة بالتفاصيل الدقيقة؛ من الواضح أنها تبذل قصارى جهدها، حتى لو لم يكن هذا الأداء مُطابقًا لما قد يوقعه المشاهد المعتاد على الأداء المبالغ فيه.
يتناول الفيلم مواضيع معقدة – التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، والأسر المفككة، والفقد – ولكنه لا يُجرّد شخصياته من إنسانيتها أو يُقلّل من قوة قصته المحورية.
الطفلة الشغالة هي القلب النابض للفيلم، وبتجسيدها، يُسلّط الفيلم الضوء على العديد من البنات الصغيرات الحقيقيات فى تلك الطبقة اللواتي تُمثّلهن.
غيد ميلاد سعيد مُصوّر ببراعة، عملٌ فنيٌّ شجاعٌ وغنيٌّ بالتفاصيل، يُجسّد باكورة أفلام المخرجة، ما يجعل الفيلمَ فائقَ الروعة هو الطريقةُ المؤثرة التي تكشف بها المخرجة قصتها من منظور الطفلة التي تعمل فى المنزل خادمة.
ويُقدّم للجمهور تصويرًا قويًا وحميميًا للشخصيات البسيطة في الفيلم. إنه فيلمٌ ذو طابعٍ شخصيٍّ للغاية، ويستحق بجدارة أن يكون تجربة أولى مميزة للمخرجة.
الفيلم مضيء وعميق التركيز
تتداخل الشخصيات بين الطبقتين، وتلامس الحياة في مصر في هذه القصة الرائعة المصورة والمروية بحيوية، والتي تُركّز على الطفلة داخل عائلة صاحبة عملها منفصلة عن زوجها وترغب في استعادته في آنٍ واحد، وتُقدّم لمحة عن مشاعر مضطربة من خلال عينيها..
أداء شخصية الأم
الفيلم يطرح مواضيع عميقة في لحظات عابرة تكمن في الاحتفال بعيد الميلاد، ويكمن جوهرها أداء شخصية الأم حنان مطاوع والطفلة التي تمثل نموذجا صارخا لعمالة الأطفال وحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية من تعليم ولعب.. إنه أداءٌ مذهلٌ في بساطته، إذ تُجسّد الشخصيات الفكرة ببراعة، ناقلةً قوة مشاعرها الخفية (غالبًا بصمت)، إنه لأمرٌ رائعٌ أن نشاهد عملهم، ببساطة لأنهم ينجزه بسلاسةٍ فائقة.
صنعت المخرجة فيلمًا عن الطفولة غارقًا في الشجن من منظور نسوي للغاية – خادمة صغيرة وأم كادحة، هناك الكثير مما يحدث في هذا العالم يتعلق بالعمل للحصول على لقمة العيش لذي لا نهاية له – وهو في حد ذاته تقدير أفضل «لعمل المرأة» الذي نراه غالبًا على الشاشة. لكن الفهم العميق والحساس لكيفية حياة النساء الذي يعشن هنا، وينشره بتعاطف هائل .
تبدع المخرجة في بناء هذه الحكاية التي تُجسد بوضوح النظام الطبقي المصري. متأرجحة بين الطفولة والقسوة، والأمل والحزن. عندما نلتقي بالطفلتين توحا ونيللي، نشعر بتناغم أخوي يبدو حقيقيًا للغاية، ولكن كلما تعمقنا في القصة، أدركنا عمق ما يتكشف هنا حقًا.
فيلم «عيد ميلاد سعيد»
فيلم «عيد ميلاد سعيد» حمل الكثير من الأحلام الغامضة والعاطفية عن الطفولة، مما يشبه إدراكًا مريرًا للغاية بأن ما كان يحدث من حولك كطفل كان أكبر وأكثر تعقيدًا مما كنت لتدركه في ذلك الوقت.
يتميز الفيلم بإيقاعه المتوازن وتفاصيله الدقيقة، وقصته تُشبه الحلم في سردها، مليئة بصورٍ مُؤرقة تبقى عالقة في الأذهان لفترة طويلة بعد سرد القصة.
إنه فيلمٌ يستحق المشاهدة؛ ولا سيما مع حميمية اللقطات المقربة حيث تصطاد الأم السمك بجراكن وهي داخل المياه، تحت أنظار الكاميرا، تكتسب التجارب الشخصية عظمة ملحمية، تأسر الجمهور بمشاعر عميقة، بفضل روعته البصرية النابضة بالحياة.










