تبدو غزة اليوم وكأنها تعيش وسط هدنة لا تتنفس، وبارود ينتظر شرارة جديدة ليشتعل في أي لحظة.
على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المعلن، تتصاعد الخروقات يوما بعد يوم، ويتساقط الضحايا في مشاهد تتكرر بوجعٍ ممل، حتى صار السلام في غزة أشبه بحلم مؤجل.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل فعلا الجميع يريد وقف الحرب؟ أم أن هناك من يملك مصلحة في بقاء النار مشتعلة؟
الهدنة التي وُقعت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل جاءت بعد شهور من حرب طاحنة، أنهكت المدنيين، ودمرت البنية التحتية، وأشعلت غضبا دوليا واسعا.
غير أن هذا الهدوء الموعود لم يدم طويلا، فسرعان ما توالت التقارير عن خروقات متكررة، بعضها بالقصف، وبعضها بالاشتباك الميداني، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.
إسرائيل تتذرع بأن ما تقوم به «رد على هجما محدودة»، والمقاومة ترد بأن إسرائيل لم تلتزم أصلا بوقف النار، وهكذا، يظل الاتفاق هشا كبيت من زجاج وسط العاصفة.
تاريخ الصراعات في المنطقة يعلمنا أن الحروب لا تندلع صدفة، ولا تستمر عبثا، هناك من يربح من استمرارها، وهناك من يخسر بانتهائها.
وإذا تأملنا ما يجري في غزة، سنجد ثلاث دوائر رئيسية تدور حول نار الحرب:
1– الربح من الدمار
في كل حرب، تنتعش صناعة السلاح، وتتضاعف أرباح الشركات الموردة للعتاد والذخيرة، الحروب لا تكلف فقط من يخوضها، بل تُغني من يصنع أدواتها.
ولذلك، ليس غريبا أن نجد من يسعى لإطالة أمد الصراع، لأن كل يوم إضافي في المعركة يعني صفقات جديدة، وأرباحا مضاعفة، وأسواقا مفتوحة للخراب.
2– السياسة حين تتغذى على النار
في الداخل الإسرائيلي، يعاني المشهد السياسي من انقسامات وتراجعٍ في الثقة الشعبية، لذلك، يستخدم قادة تل أبيب لغة «الأمن والتهديد» كوسيلة لتوحيد الداخل تحت راية الخوف.
أما بعض القوى الفلسطينية، فترى في استمرار الاشتباك طريقا لتأكيد حضورها وفرض موقعها في المعادلة السياسية.
هكذا يتحول الدم إلى ورقة ضغط سياسية، يُستخدم فيها المدنيون وقودا لخطابات تبحث عن مكاسب آنية.
3– الأيادي الإقليمية والدولية
ليست غزة وحدها في الميدان، بل هي عقدة في شبكة إقليمية ودولية متشابكة، بعض القوى الكبرى ترى أن بقاء بؤرة التوتر يخدم مصالحها في إدارة المنطقة، لا في استقرارها.
الاضطراب يمنحها نفوذا، ويبقي ملفات المنطقة مفتوحة للمساومة، وهكذا تتحول غزة إلى ساحة رسائل بين العواصم الكبرى، أكثر من كونها معركةً من أجل الأرض أو الكرامة.
الإعلام سلاح مواز فالحرب في غزة لا تُخاض فقط بالرصاص، بل بالكلمة والصورة أيضًا.
كل طرف يسعى لتقديم روايته الخاصة
إسرائيل تعرض الحرب كدفاعٍ عن النفس، والمقاومة تظهرها كمعركة وجودٍ ضد الاحتلال، أما الإعلام الدولي فينقسم بين من يُجمل الصورة، ومن يكشف بشاعتها.
وفي خضم هذه الفوضى الإعلامية، تضيع الحقيقة بين الضجيج، كما يستغل المشهد الإنساني أحيانا كأداة دعائية، لا كصرخة ضمير.
في كل مرة تشتعل فيها غزة، تتجه الأنظار نحو القاهرة، لأنها تبقى الركيزة العربية الأكثر توازنًا وقدرةً على الوساطة.
مصر لا تبحث عن مجد سياسي من التهدئة، بل عن استقرار يحمي حدودها ويمتص نار المنطقة قبل أن تمتد.
لكن الدور المصري – مهما كان قويًا – لا يمكن أن ينجح وحده ما لم تلتف حوله الإرادة العربية في موقف موحد يُغلب صوت السلام على لغة السلاح.
باختصار.. الهدنة في غزة ليست اتفاقا بين طرفين فقط، بل امتحان لإرادة المنطقة بأسرها، فإن نجح العرب في تحييد الأيادي الخفية، ومواجهة من يتربح من استمرار النار، حينها فقط يمكن أن يُكتب لغزة فجرٌ جديد، لا تُضاء سماؤه بالصواريخ، بل بنور العدالة والاستقرار.
أما إن ظل الصمت الدولي يتغاضى، واستمرت المصالح في تغذية الحرب، فسيبقى الفلسطيني يدفن أبناءه بيد، ويُلوح بعلم وطنه باليد الأخرى، منتظرا سلاما لا يأتي.. لأن من يشعل النار، لا يريدها أن تنطفئ.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا










