لم تكن الصفعة التي تلقاها الرجل العجوز في السويس مجرد حادثة عابرة، بل كانت صفعةً على وجه مصر كلها.
صفعةٌ لم تُهِن رجلاً واحدًا، بل أوجعت شعبًا بأكمله، فمن شاهد المشهد شعر وكأن اليد امتدت إلى وجهه هو، وكأن كرامة الجميع قد أُهينت دفعةً واحدة.
ذلك الشيخ المسكين لم يكن يستحق الألم، ولا هذا الانكسار أمام ابنته التي صرخت صرخة مدوية اخترقت القلوب والضمائر، وأمام عدسات الهواتف والناس.
لكنه أصبح رمزًا لصوتٍ مبحوحٍ يصرخ فينا جميعًا.. إلى أين وصلنا؟
كيف صار الضعيف في بلده بلا سند، والعجوز بلا حرمة، والرحمة بلا مكان؟
إنّ ما جرى في السويس لم يكن مجرد تصرّفٍ فردي من رجلٍ فقد إنسانيته في لحظة غضب، بل مرآة لوجعٍ أعمق، وجع السياسات التي تُغلّ يد الفقراء وتُطلق يد الأثرياء، وجع القوانين التي تُضغط على الضعفاء بقسوة، بينما ينجو الأقوياء منها بطرقٍ لا يجرؤ أحد على مساءلتها.
حين تُصفع كرامة إنسان، تُصفع معها كرامة الدولة.
فهيبة القانون لا تُقاس بالقبضة، بل بعدالته وإنسانيته، والدولة التي تسمح بانتهاك حرمة مواطنٍ واحد، إنما تُضعف نفسها وتفقد جزءًا من احترامها في قلوب الناس.
لقد جلستُ بعد أن شاهدت الفيديو، وشعرت بشيءٍ ينكسر بداخلي، كان وجع الرجل وجعي، ودمعته دمعتي، وانحناءة رأسه انحناءةٌ لكرامة وطنٍ بأكمله.
صفعة واحدة أيقظت فينا ألف سؤال، وأعادت إلى السطح كل خيبةٍ مؤجلة وكل ألمٍ مكتوم.
نحن لا نطلب الكثير، فقط شيئًا من الرحمة.
أن يُعامَل الفقير بكرامة، والمريض برأفة، والمسنّ باحترام، أن تدرك السلطة أن قوتها في عدلها، وأن القانون بلا إنسانية يصبح عصا عمياء لا تفرق بين الجاني والمجني عليه.
صفعة السويس ليست حادثةً أمنية، بل حادثة ضمير.
صفعة تقول لنا جميعًا: إن لم نُدافع عن الإنسان، فلن يبقى لنا وطن نحتمي به.














