قدر مصر أن تكون في قلب العاصفة دائما، فكلما استقرت أو اقتربت من تحقيق إنجاز استراتيجي، هبت عليها رياح جديدة من التحديات والضغوط، هناك من لا يريد لمصر أن تنهض ولا أن تستعيد مكانتها التاريخية في محيطها العربي والإفريقي، لأن نهضة القاهرة تعني توازن القوى في الإقليم، وتعني كذلك سقوط رهانات كثيرة بُنيت على إنهاكها وإشغالها.
لكن ما يجهله هؤلاء، أن مصر ليست دولة عابرة في الجغرافيا، بل كيان له جذور تمتد إلى عمق التاريخ، لا تنكسر تحت ضغط ولا تتراجع أمام التهديد.
منذ سنوات، تتعرض مصر لسلسلة متواصلة من محاولات الإرباك والإضعاف، تارةً عبر ملفات إقليمية ساخنة، وتارة عبر ضغوط اقتصادية وإعلامية ممنهجة.
الهدف واحد: أن تبقى القاهرة منشغلة في دوائر الأزمات، عاجزة عن فرض توازنها ودورها.
لكن كل محاولة كانت تتحطم على صخرة الوعي المصري والقدرة المؤسسية للدولة على إدارة الأزمات.
مصر تدرك أن ما يجري حولها ليس مجرد صدفة، بل جزء من خطة أوسع لإبقاء المنطقة في حالة فوضى دائمة، ومنعها من استعادة دورها المركزي الذي بدأت ملامحه تتضح بعد نجاحها الملفت في إدارة أزمة غزة الأخيرة.
حين تمكنت القاهرة من الإمساك بخيوط ملف غزة، وأثبتت قدرتها على تحقيق اختراق سياسي وإنساني متوازن، شعر كثيرون أن النفوذ المصري يعود بقوة إلى الواجهة.
وما إن تحقق هذا النجاح، حتى اشتعلت ملفات أخرى في محيطها: ليبيا تعود إلى التوتر، إثيوبيا تتحدث بنفس متصلب، واليمن والسودان يزدادان اشتعالاً.
الرسالة واضحة، كلما تقدمت مصر خطوة، تفتح أمامها جبهة جديدة، لكن الدولة لم تنخدع، ولم تتورط في ردود فعل انفعالية، بل تعاملت مع كل ملف بمنطق الدولة الراسخة لا المنفعلة، فكانت سياستها قائمة على مبدأ «التحكم لا التورط»، والرد الهادئ لا الانجرار إلى الفوضى.
القاهرة لم ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يهدد أمنها القومي، هذا ليس شعارا إعلاميا، بل عقيدة راسخة تتبناها القيادة وتلتف حولها مؤسسات الدولة كافة.
الجيش المصري – بما يمتلكه من جاهزية وقدرة على التحرك- هو الضامن الأول لاستقرار البلاد، والقيادة السياسية تمارس سياسة «الردع الهادئ»، لا تهديد، ولا تهور، لكن رسائلها تصل بوضوح إلى كل من يحاول اختبار حدود الصبر المصري.
من حق مصر أن تحمي حدودها الغربية من الانفلات الليبي، وأن تراقب عن كثب ما يجري في الجنوب السوداني، وأن تدافع عن حقها المائي في ملف سد النهضة، وأن ترفض كل ما يمكن أن يمس سيادتها أو يهدد أمنها الاقتصادي والاجتماعي.
لماذا تفشل كل محاولات إنهاك مصر؟ الجواب بسيط في مظهره، عميق في جوهره: لأن مصر دولة لا تُدار بالعواطف، بل بالمؤسسات.
حين تستهدف الدولة من الخارج، تجد أن الداخل المصري يتوحد تلقائيا.. الشعب يقف خلف قيادته، والجيش يترسخ في موقعه كدرع وسند، والدبلوماسية تتحرك بثبات في المحافل الدولية.
هذه المنظومة المتماسكة تجعل من الصعب جدا أن تنجح أي محاولة لكسر إرادة الدولة أو شق صفها الداخلي.
ثم إن التاريخ نفسه يقف شاهدا، فكلما حاولت قوى إقليمية أو دولية الضغط على مصر، كانت النتيجة العكس، مزيد من الالتفاف الشعبي ومزيد من الثقة في مؤسسات الدولة.
من القاهرة تخرج رسالة واضحة للعالم، مصر ليست عبئا على الإقليم بل ركيزة استقراره، وهي لا تسعى إلى الهيمنة أو التدخل في شؤون الآخرين، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بأن تمس مصالحها أو يعبث بأمنها.
الذين يحاولون اختبار صبرها، عليهم أن يتذكروا أن لمصر تاريخا لا يرحم المعتدين، وجيشا لا يترك أرضه ولا يفرّط في سيادته، وشعبا يدرك أن كرامته من كرامة وطنه.
قدر مصر أن تُستهدف، لكن أيضا أن تنتصر.. قدرها أن تواجه، لكن كذلك أن تتعافى وتنهض من كل أزمة أقوى مما كانت.
هي دولة لا تعيش على رد الفعل، بل تصنع الفعل نفسه، وكلما اشتدت عليها الضغوط، ازداد تماسكها وصلابتها.
إن مصر اليوم -بقيادتها وشعبها وجيشها- تعي جيدا أن أمنها القومي ليس مجالا للنقاش، وأن الحفاظ على مكانتها الإقليمية واجب وطني.
لذلك ستظل مصر، مهما تغيرت المعادلات، الرقم الصعب في المنطقة، والركيزة التي لا يمكن تجاوزها أو إضعافها، لأنها ببساطة… قدرها أن تبقى.













