في عهد ليس ببعيد كان أرباب السياسة «معلمين» بفتح الميم.. نعم كان بعضهم ترزي قوانين ولكنهم كانوا أسطوات في إدارة الانتخابات.. فالحزب الحاكم أي كان الوطني أو حزب مصر يجعل المعركة الانتخابية حامية الوطيس والتنافس حقيقي والشارع يشارك بكل ما اؤتي من قوة وشعارات.
وبرغم أن التزوير كان حقيقي أيضا وحقيقة فيما عدا انتخابات ممدوح سالم عندما كان رئيس وزراء مصر في السبعينات وهذا تاريخ وتأريخ.. وبرغم هذا كان آخر المعلمين كمال بك الشاذلي يترك للمعارضة مسافة محسوبة وهي أقل من ثلث مقاعد البرلمان تقريبا موزعة على التجمع والوفد والناصري والعمل وغيرهم ليضمن أغلبية تمرير ما تريده الحكومة.
وكانت قناة الشعب تنقل جلسات البرلمان وأحيانا القناة الأولى وقد عاصرت الجلسات الساخنة لاستجوابات علوي حافظ وممتاز نصار نواب الصعيد وأبو العز الحريري القطب اليساري السكندري والبدري فرغلي وكمال أحمد وغيرهم كثير كانوا يهزون أركان البرلمان.
وكانت الدولة تترك الصحف تتحدث عن التزوير بل وتعقد مؤتمرات صحفية وندوات تنتقد وتزمجر وصحف الأحزاب تتبارى في كشف الفساد، أي أن الشارع السياسي كان يعيش حالة حراك تجعل المواطن شريك حقيقي إما ناقدا أو مؤيدا أو حتى متفرجا، فالسيناريو مدروس ومعد بحنكة ليجعل المشاهد مشدود.
ظل هذا قائما في زمن الأساتذة إلى أن جاء الاشبال رجال جمال وهم أحمد عز ورفاقه فأغلقوا كل الأبواب فلم يعد هناك مساحة للتنفس فماتت السياسة إكلينيكيا وانفجر بركان الغضب ووصلنا إلى ثورة يناير ومنذ ذاك التاريخ شهدنا أن من كانوا ينتقدون ممارسات الحزب الوطني ويقدمون أنفسهم إلى الناس تحت شعار الإسلام هو الحل.. كانوا أشد ديكتاتورية من الحزب الوطني وأساتذة في الرشاوي الانتخابية.
ثم جاءت ثورة 30 يونية تحمل مشاعل الأمل وجاء برلمان معقول ولكن النظام الانتخابي الذي يضمن الكوتة أخل إلى حد كبير بنصف المقاعد التي أصبحت أقرب إلى التعيين.
ثم نشطت الأحزاب ولكن السياسة لم تنشط والحراك الشبه ديمقراطي الذي كان قائما أصبح باهتا وبرغم أن أسطوات السياسة فيما قبل ثورة يناير وصولا إلى الاتحاد الاشتراكي إذا عدنا إلى الوراء كانوا يهندسون البرلمان بالاتفاق مع الأجهزة الأمنية وهذا أمر لا عيب ولا حرام ولا خطأ وذلك لأسباب كثيرة، ولكن كان للسياسيين نصيب في الرأي والمشورة لتخرج الطبخة متسبكة ولمزيد من البهارات كانوا يتركون مساحة للشد والجذب وارتفاع الأصوات والنقل على الهواء.
حتى كتاب السلطة المخضرمين المقربين كانوا يكتبون كبسولات ودبابيس ومن ثقب الباب وصواريخ قد تطال بعض من الحكومة وأشهرها نصف كلمة أحمد رجب وكاريكاتير مصطفى حسين لرئيس وزراء مصر عاطف صدقي… ويجعله عامر… وكفر الهنادوة.. ورسوم صلاح جاهين وطوغان والقائمة تطول.. وأخيرا يا أهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله.














