نولد بلا خريطة، نمضي في الحياة وكأننا نسير على حافة ضباب، نختبر الفرح والألم، ونتعلم من كل خطأ قبل أن ندرك قيمته.
كل لحظة من عمرنا هي امتحان لم ننتبه له، وكل طريق سلكناه بلا وعي كان يرسم خريطة أروحنا الصامتة، أسمع صدى نفسي وأنا أركض خلف الحياة، أظن أني أملك كل شيء، وأجهل أني ضائع بين لحظة وأخرى.
أمشي في طرق مليئة بالضباب، وأتعثر في ذاتي، أرفع رأسي بفخر أمام الآخرين، بينما قلبي تائه بلا دليل.
كنت أظن أن الحب للحياة يعني أن ألتهم كل لحظة، أن أجمع المتعة كما يجمع الغافل الرمال، وأن أتناسى أثر كل فعل، كل كلمة، كل نظرة.
لكنني الآن أسمع صوت الندم يناديني بصمت، ويخبرني أن ما مضى كان دروسًا لم أفهمها بعد.
الندم ليس صرخة مؤقتة، بل شعور يغوص في الأعماق، يكشف خفايا نفسي المتعجرفة، ويجعل القلب يزن كل لحظة مضت بلا إدراك، ويهمس: «لقد ضيعت عمرك في وهم، وفي رغبات لم تغن روحك».
منذ الصغر، كنت أعيش بلا خريطة، أرفض نصائح والدين محبين، أختبر الحياة بعناد، وأرتكب الأخطاء كما لو كانت هواية، احتفل بالفرح، وأحتمل الألم، دون أن أعلم أن كل لحظة صغيرة تصنع الإنسان الحقيقي.
كبرت في عالم يمجد الغطرسة ويخفف من قيمة الاستماع، نجرب الأخطاء التي تصنع الشخصية، ونغرق أحيانًا في صحبة لا تعكس إلا ضباب ضمائرنا، وأحيانًا أخرى نجد أصدقاء يرفعوننا نحو النور، ويعلموننا أن الصواب لا يأتي من الكبرياء بل من الوعي والحب الصافي.
الأصحاب هم مرآة الروح، من يعكس ضعفك ويكشف عيوبك، ومن يشعل داخلك نورًا لم تعرفه، هم من يجعلنا نتعلم أن اختيار من يرافقنا أهم من الطريق نفسه، وأن الصحبة السيئة تثقل النفس وتشتت الروح، أما الصادقة فتفتح أعيننا على أنفسنا، على الدروس التي أهملناها، وعلى الخلق الذي نسيناه.
عشنا نصف قرن من التناقضات: صنعنا الخير كما يتنفس الجسد الهواء، وارتكبنا الشر كما يشرب العطشان ماءً ملوثًا، غافلين أحيانًا عن أثر أفعالنا، غير مدركين أن كل لحظة تتراكم، وأن الذكريات الصغيرة تصنع الإنسان الكبير.
في الخمسين، يصبح القلب مثل أرض جفّت ثم تذكّرت المطر، ندرك أن الخطأ ليس دائمًا فعلًا، بل غياب وعي، ورفض سماع نصيحة نافعة، وتأثرنا بمجتمع أو صديق أو رغبة لم تُحسن قياسها، وانقياد للعاطفة دون عقل، وتجاهل للحظة يمكن أن تغيّر مصير العمر كله.
الوعي يبدأ حين نصغي إلى هذا الصوت الداخلي، حين نرى أن التوبة ليست صرخة عابرة، بل رحلة يومية لمراجعة النفس وتحسين الأفعال، حين ندرك أن الأخطاء ليست نهاية، بل فرص للتعلم واكتساب الحكمة، وأن مزج العلم، الأخلاق، والفضيلة في كل قرار يومي هو الطريق نحو التوازن الحقيقي.
لقد نسينا أن الحياة ليست فقط ما نعيشه، بل ما نتعلمه، وما نصنعه من نورٍ في أنفسنا قبل أن نتركه للآخرين… فاستيقظت الروح، وتذكرت، وعرفت أن نصف قرنٍ من السير نائمًا كان مجرد مدخل لرحلة اليقظة الحقيقية.
يا رب، ها أنا أمامك بعد نصف قرن من الدوران حول نفسي، أقف خفيفًا من الزهو، مثقلاً من الندم، أدركت أني لم أختر الشر دائمًا، لكنني لم أقاومه حين مرّ بي متخفّيًا في شكله حلم، حب، كبرياء، جهل، أو صديق مضلل.
علّمني يا الله، كيف أغفر لنفسي على الغفلة، وكيف أحتضن ضعفي دون أن أبرّره، وكيف أتعلم من كل تجربة، من كل صديق، من كل نصيحة رفضتها يومًا، واجعل ما تبقّى من عمري صلاةً صافية، وعملًا متوازنًا، وقلبًا واعيًا، وروحًا شاكرة.











