على مدار عامين كاملين ينزف السودان بصمت، وكأن الحرب الدائرة على أرضه مجرد بند هامشي في نشرة الأخبار أو فقرة زائدة يمكن حذفها دون أن يهتز ضمير العالم.
بلد كان يُعد ركيزة استقرار في القارة الإفريقية أصبح اليوم ساحة مفتوحة للاقتتال، ومختبرًا لأسوأ السيناريوهات الإنسانية، ومع ذلك لا تزال ردود الفعل الدولية بطيئة، خافتة، بل ومترددة في كثير من الأحيان.
هنا يطل سؤال موجع، لماذا لا يُعامل السودان بالقدر ذاته من الاهتمام الذي يحظى به صراع آخر ربما كان أقل حجمًا أو أقصر عمرًا؟
لا يمتلك السودان ثقلًا اقتصاديًا يغري القوى الكبرى بالدخول في سباق نفوذ لإنقاذه.. لا نفط وفير، ولا أسواق ضخمة، ولا موقع جيوسياسي يضاهي ما يحدث في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا.
وبغياب الضغط الشعبي العالمي وضعف تغطية الإعلام الدولي، يصبح السودان بلدًا «خارج الصورة» مهما اشتعلت النيران داخله.
العالم اليوم لا يتحرك وفق بوصلة العدل، بل وفق بوصلة المصالح.. والسودان ببساطة خارج هذه الخريطة.
المشهد السوداني معقد إلى الحد الذي يجعل كثيرًا من القوى الدولية تتردد في اختيار شريك يمكن الرهان عليه.
الصراع ليس بين جيشين نظاميين أو دولتين واضحتين، بل بين قوى متداخلة، ميليشيات تتحرك خارج أي منطق سياسي، وحكومة ضعيفة عاجزة عن فرض حضورها.
وحين يغيب الطرف «الممكن دعمه»، تتراجع أغلب الدول خطوة إلى الخلف وكأنها تراقب فيلمًا لا تريد أن تنحاز فيه لأي بطل.
من غزة إلى أوكرانيا، ومن البحر الأحمر إلى شرق آسيا، أصبحت الساحة الدولية مزدحمة بالأزمات الساخنة.
وهنا يأتي السودان كـ«أزمة إضافية» لا تجد مكانًا في جدول القوى الكبرى.
ومع تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي بالشأن الإفريقي عمومًا، أصبح من السهل على الدبلوماسية الدولية أن تضع ملف السودان على الرف.. رغم أن الكارثة الإنسانية داخله تتسع يومًا بعد يوم.
بعض القوى الإقليمية تنظر للسودان باعتباره مجالًا مفتوحًا لإعادة رسم ميزان القوى، كل طرف يريد دعم جهة ما لتحقيق نفوذ سياسي أو اقتصادي مستقبلًا، هذه الحسابات المتقاطعة تجعل من الصعب الوصول إلى موقف موحد أو تدخل حاسم.
وبين تنافس القوى الإقليمية وصمت القوى الكبرى، يظل المواطن السوداني هو الضحية الحقيقية.
رغم وجود جاليات سودانية كبيرة وفاعلة، إلا أنّ تأثيرها السياسي ما زال محدودًا مقارنة بجاليات دول أخرى استطاعت تحويل قضاياها إلى ملفات رئيسية على طاولة العواصم الكبرى.
لا توجد حملات ضغط عالمية ضخمة، ولا جماعات تأثير تتبنى القضية بقوة، وهكذا يبقى صوت السودان منخفضًا في عالم لا يسمع إلا الأصوات المرتفعة.
باختصار.. الصمت الدولي تجاه ما يحدث في السودان ليس قدرًا، لكنه نتيجة مزيج من المصالح الباردة، وتعدد الحروب، وتعقيدات المشهد السوداني نفسه.
ومع ذلك، يبقى الأمل في أن تتكاتف الأصوات العربية والأفريقية والحقوقية لانتزاع الملف السوداني من الهامش وإعادته إلى صدارة الاهتمام.
السودان ليس ساحة صراع فقط، بل وطن يتشكل فيه المستقبل، ومستقبل أي دولة في المنطقة هو جزء من مستقبلنا جميعًا.











