في كل بلاد العالم هناك ثلاثة أطراف لا يمكن لأي دراما سياسية أن تقوم بدونهم، المواطن الذي يحلم، والنائب الذي يعد، والوطن الذي ينتظر.
وبين الحلم والوعد والانتظار تضيع الحقيقة في زحمة الشعارات، ويظهر سؤال بسيط وبريء، مين فيهم بالضبط بيدفع الفاتورة؟
المواطن، ذلك الكائن الذي يذهب إلى صندوق الانتخابات ليضع بطاقة صوت ثم يعود إلى بيته متوقعًا أن تتحقق كل أحلامه قبل أن ينشف الحبر على إصبعه.
يريد نائبًا يجيب على الهاتف 24 ساعة، حتى لو اتصل به ليسأل عن سعر الطماطم أو موعد مباراة الأهلي.
يريد نائبًا يحل مشكلة الصرف الصحي، والتعليم، والصحة، والبطالة، ورصف الطرق، وإنقاذ الكوكب من الاحتباس الحراري.. قبل العيد الكبير.
وفي الوقت نفسه لا يريد المواطن أن يزعل النائب.. ولكن أيضًا لا يريد أن يزعل الوطن.. وفي النهاية يزعل هو!
النائب، هذا البطل الذي يظهر في الحملات الانتخابية كأنه سوبرمان، ويختفي بعدها كأنه شبح.
يريد من المواطن شيئًا بسيطًا: صوته.
ويريد منه أيضًا نسيان كل الوعود التي أُطلقت في الهواء مثل ألعاب نارية في فرح بلدي.
النائب يعتقد أن دوره الحقيقي يبدأ وينتهي بجملة «حاضر… الموضوع تحت البحث»، تلك الجملة التي لا تضر ولا تنفع لكنها تبقي الباب مواربًا لأي طلب مستقبلي.
وفي النهاية، يريد من المواطن أن يتحمل صوته.. بصدر رحب.
الوطن لا يطلب الكثير، يريد نائبًا يعمل… ومواطنًا يتعاون.. وسلطة تراقب.. ومؤسسات تحترم نفسها.
الوطن يمنح الجميع هواءً يتنفسون، وأرضًا يعيشون عليها، وشوارع يتذمرون من زحمتها، ويطلب في المقابل شيئًا بسيطًا، أن يتوقف النائب عن الادعاء، وأن يتوقف المواطن عن الندب، وأن يتوقف الجميع عن استخدام الوطن كـ«شماعة» لكل تقصير.
الوطن لا يريد خطابات.. يريد فعلًا، ولا يريد كروت شكر في المناسبات.. يريد إنجازًا، ولا يريد نائبًا يتصور مع الرصف، وكرتونة رمضان، ولا مواطنًا يفكر أن الخبز ينبت وحده.
وأخيرًا.. من يدفع الفاتورة؟ في عالم السياسة، الجميع يتحدث.. الجميع يطالب.. الجميع يشتكي.. لكن هناك طرفًا واحدًا دائمًا يخرج المحفظة آخر الشهر المواطن، وحده يدفع ثمن الوعود المؤجلة، يدفع ثمن خدمات لم تصل، وطريق لم يُرصف، ومدرسة بلا معلمين، ونائب بلا حضور، ومسؤول بلا تفسير.
والوطن؟ يبقى هو الدفتر الذي تُكتب عليه كل الفواتير.. وينتظر يومًا تُسدد فيه لا بالكلام.. بل بالعمل.













