واسوداناه.. صرخة لا تُطلقها الخرطوم وحدها، بل يطلقها كل قلب لا يزال ينبض بإنسانية في هذا العالم الذي أصبح يتقن مشاهدة الجثث أكثر مما يتقن حماية البشر.
ما يحدث في السودان اليوم ليس صراعاً عادياً، ولا خلافاً على سلطة أو مقعد في قصر بائس، بل حرب تمزيق ممنهجة، تتلاشى فيها المدن، وتُحرق فيها القرى، وتتحول فيها حياة الملايين إلى لجوء وهرب وموت مجاني.
واسوداناه.. لأن الخراب تمدّد أكثر مما ينبغي، ولأن الدم المسفوك جاوز حدود الاحتمال، ولأن العالم – بكل بروده ونفاقه – ينظر إلى السودان كما نظر من قبل إلى البوسنة، إلى رواندا، إلى اليمن وسوريا.. يكتفي بالمشاهدة، وإصدار بيانات الإدانة المتأخرة، وكأن الدم الأفريقي أقل قيمة من غيره!
واسوداناه.. لأن العرب ما زالوا يختلفون على البيانات، ويجتمعون على الكلمات، ولا يجتمعون على الفعل، أين الجامعة العربية من بلدٍ عربيٍّ يُباد؟ أين منظمة التعاون الإسلامي من مسلمي السودان الذين تقطع الحرب أوصالهم؟ أين الحكومات التي تدّعي الأخوة والدعم والوقوف مع «الأشقاء»؟ هل السودان ليس شقيقاً؟ أم أن أشقاء السياسة درجات وطبقات؟
واسوداناه.. لأن الخرطوم التي كانت يوماً قِبلة للثقافة والوعي أصبحت اليوم مدينة منكوبة، تُسرق من أهلها شارعاً بعد شارع.. لأن دارفور تحترق، ولا أحد يحاول إطفاء النار.. لأن أطفال السودان يكبرون الآن على أصوات الطائرات والمدافع، لا على صوت الكتب والمدارس.. لأن النساء يلدن في الطرقات بينما العالم يجلس في مكيفاته يتحدث عن «حلول دبلوماسية».
نعم.. السودان اليوم لا يريد بيانات الشجب، لا يريد مؤتمرات شعارات، لا يريد وعوداً جوفاء تُلقى أمام الكاميرات.
السودان يريد تدخلاً حقيقياً.. عربياً، إسلامياً، وإنسانياً.. قبل أن يسقط ما تبقى منه.
يريد قوة سلام عربية – إسلامية توقف الجنون، يريد ممرات آمنة تنقذ المدنيين، يريد ضغطاً دولياً حقيقياً على الطرفين لوقف القتل، يريد أن يشعر أن الدم السوداني ليس رخيصاً.. وأن العرب والمسلمين لا يتركون أبناءهم للذبح.
يا عرب الأمة.. يا مسلمي العالم.. يا أحرار الأرض، إن لم تتحركوا الآن، فمتى؟!، وإن لم يكن السودان سبباً للاجتماع، فلأي شيء تجتمعون؟، وإن لم يكن الدم السوداني صرخة توقظ ضمائركم، فما الذي يمكنه أن يوقظها؟
واسوداناه.. صرخة تخرج من تحت الأنقاض، صرخة لا تبحث عن تعاطف، بل تبحث عن فعل، صرخة ستظل تلاحقنا جميعاً، لأننا -إن صمتنا – سنكون شركاء في المأساة.. شركاء في الدم، وشركاء في سقوط بلد عربي كان يستحق الحياة.
واسوداناه.. ولا حياة لمن تنادي!










