رصد عبد الناصر قنديل، مستشار الائتلاف المصري لحقوق الانسان والتنمية، تحولات السلوك الانتخابي في انتخابات مجلس النواب 2025.
وقال قنديل في القراءة التحليلية التي أجراها تُعد العملية الانتخابية أحد أهم المؤشرات لقياس وعي المجتمع السياسي ومستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، وفي الحالة المصرية، اكتسبت جولة الإعادة في الدوائر التي أُلغي اقتراعها بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات أهمية استثنائية، خاصة وأنها شملت 19 دائرة داخل 7 محافظات، وارتبطت بإعادة اختبار الإرادة الشعبية بعد رسائل سياسية وتنفيذية غير مسبوقة في المشهد العام.
يمثل التحول الجذري في نتائج المرشحين — مقارنة بين الجولة الملغاة والجولة المعاد إجراؤها — ظاهرة تستحق التوقف العلمي والتحليل، ليس فقط لفهم نتائج اللحظة، بل لاستشراف شكل المشاركة السياسية في المستقبل وتغير خريطة النفوذ الاجتماعي داخل الدوائر الانتخابية.
يستند هذا التقرير إلى منهج تحليل المقارنة الزمنية للسلوك الانتخابي (Behavioural Comparative Election Analysis)، عبر تتبع التغيرات في الأنماط التصويتية، ورصد الفجوات الرقمية بين الجولتين، ثم تفسيرها في ضوء المتغيرات السياسية والاجتماعية والنفسية المصاحبة.
نتائج الرصد والتحليل:
أظهرت المؤشرات الرقمية فروقًا غير مسبوقة في حجم التصويت. ففي دائرة بندر دمنهور بالبحيرة، خسرت مرشحة Future وطن سناء برغش أكثر من 42 ألف صوت بين الجولتين، بينما قفز مرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي من 6,180 إلى 25,674 صوتًا. وفي إمبابة بالجيزة، تراجع مرشح بارز من 28 ألف إلى أقل من 10 آلاف صوت، بينما خرج مرشحون كانوا قد وصلوا للإعادة بالكامل من المشهد.
المشهد ذاته تكرر في نجع حمادي وقوص وأبو تشت وأول سوهاج وأول الرمل، حيث انهارت الأرقام التصويتية التي كانت تُعد صلبة، وصعدت بديلًا عنها أصوات جديدة أو قديمة استعادت مكانتها.
هذه النتائج لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد اختلاف في نسبة المشاركة، بل تشير إلى تغيّر جوهري في:
الاتجاهات التصويتية للناخبين
شبكات النفوذ والعلاقات المحلية
مناعة المرشح أمام التغيرات اللحظية
قوة القاعدة الاجتماعية مقارنة بالحشد المؤقت
يمكن تلخيص الأسباب التحليلية لهذه التحولات في النقاط الآتية:
1- الثقة المفرطة لدى بعض المرشحين بعد الجولة الملغاة وتحول حملاتهم من التعبئة إلى الاحتفال.
2- انهيار التحالفات غير الرسمية والاتفاقات الهشة بعد إعادة الاقتراع.
3- تراجع عدد المصوتين بشكل كبير لعدم القدرة على الحفاظ على الاستنفار التعبوي.
4- ردع المخالفات وإغلاق المجال الرمادي أمام لجنة الاقتراع ما حرم بعض المرشحين من أدوات تأثيرهم التقليدية.
5- خلافات داخل التحالفات الحزبية أدت إلى انقسامات في الحشد والتصويت.
6- اختفاء آليات الحشد المرتبطة بالمساعدات والجمعيات الخدمية.
7- نزعة انتقامية لدى بعض الكتل التصويتية التي شعرت بالإقصاء أو الإهانة في الجولة الأولى.
8- ظن بعض الناخبين أن تدخلات الدولة كانت رسالة اعتراض على التفضيلات الانتخابية وليس فقط على المخالفات.
9- ضعف الرؤية التنظيمية لبعض الأحزاب واعتماد المرشح على جهده الفردي دون دعم مؤسسي.
10- سلوك تصويتي عقابي داخل بعض الصفوف الحزبية تجاه مرشحين بعينهم.
خلاصة واستنتاجات
تُظهر هذه الجولة أن ما كان يبدو ثابتًا في الخريطة الانتخابية لم يكن صلبًا بقدر ما كان هشًّا ومعتمدًا على حشد ظرفي. بينما المرشحون الذين صمدوا أو صعدوا امتلكوا ما هو أعمق من الحشد: قاعدة اجتماعية مؤمنة، شبكات ثقة، وكتلة تصويتية صلبة.
الديمقراطية هنا — وإن بدت مضطربة — تُمارس وظيفة محورية: كشف الحقيقة وإعادة توزيع الوزن السياسي المحلي.
توصيات مستقبلية
1- ضرورة تطوير منظومة تدريب الأحزاب على التعبئة السياسية المستدامة وليس التعبئة اللحظية.
2- إدراج برامج تثقيف انتخابي للمواطنين حول معنى التصويت الحر غير المشروط.
3- إنشاء قواعد بيانات وطنية لمراقبة أنماط المشاركة الانتخابية وتحليلها دوريًا.
4- تعزيز دور المجتمع المدني في الرصد والإنذار المبكر للخلل الانتخابي.
5- مراجعة البيئة التشريعية لضبط التمويل، وضمان المنافسة العادلة، وتعزيز الشفافية.














