التعليم في مصر.. أزمة ممتدة منذ 70 عاما تقريبا، 70 عاما من التجارب والتبديل والتغيير.. كل حكومة تتولى تغير في النظام التعليمي والحجة هي التطوير.. وكل وزير يهدم ما قام به الوزير السابق له ويضع بصمته إما بتغيير المناهج أو بإلغاء سنوات دراسية مثلما حدث في إلغاء الصف الخامس الابتدائي في نهاية الثمانينيات وإعادتها في منتصف التسعينيات.
وكل ما تم خلال هذه السنوات هو الدوران حول المشكلة ولم يدخل أحد في قلب المشكلة حتى تراكمت وأصبح حلها يحتاج إلى معجزة بتكلفة مالية أعلى لإحداث ثورة حقيقية في التعليم.. فالحق في التعليم لا بد أن تتوافر له مجموعة معايير حتى يتمكن المواطنون من التمتع بهذا الحق وأركانه «المدرسة» والمعلم «والمناهج» وهي أسس يجب أن يراعيها من يخطط فعلا لتطوير التعليم.
فالمعلم هو الركن الأول الذي يجب تأهيله علميا من خلال الدراسات التربوية والعلمية والأهم منحه الأجر العادل الذي يكفيه هو وأسرته والاهتمام به صحيا واجتماعيا حتى يؤدي رسالته على أكمل وجه.
والمعلم هو من يستطيع تطويع المناهج وتقديمها للطلاب في صور سهلة وواضحة ورأينا تجارب كثيرة ناجحة في شرح المناهج المعقدة حتى استخدام الموسيقى في التعليم والتكنولوجيا الحديثة تسهل الأمور أكثر لكن يجب توفيرها.
أما الركن الثاني في التعليم فهو بالمدرسة التي يجب أن تراعى عددا من المعايير الصحية والكثافة في الفصول وأماكن ممارسة الأنشطة المختلفة الرياضية والفنية والاجتماعية للتلاميذ من الصغر وحتى المرحلة الثانوية.. فالعجز في المدارس أدى إلى الكثافة العالية في الفصول ووصلت إلى أكثر من 100 تلميذ في صف مساحته لا تتجاوز 20 مترا.
هذه الكثافة أدت إلى لجوء الحكومة إلى التضحية بالأنشطة والملاعب التي كانت تتمتع بها المدارس وامتد إليها البناء العشوائي والمخالف لكل المعايير الصحية والهندسية وارتفعت المباني إلى أكثر من 7 أدوار حتى يتم تقليل الكثافة وهو ما أدى إلى ظهور مصطلحات منها «لا مدارس بعد مارس» كما ألغت مدارس كثيرة فصول الصف الثالث الثانوي لأن طلاب هذا الصف يعتمدون في تحصيلهم على مراكز الدروس الخصوصية والمنزل فلا يذهبون إلى المدرسة التي تحولت إلى أماكن لنقل الأمراض المعدية بين التلاميذ.
واهمال إنشاء المدارس أوصلنا إلى هذه الحالة وأوصلنا إلى مصطلح مهم يتم تداوله من خبراء التربية وهو «التعليم على مضض» أي أن التلاميذ يذهبون إلى المدرسة مجبرين خاصة أن جميع الأنشطة اختفت في جميع المدارس الحكومية وفي المدارس الخاصة نوع من الوجاهة فقط.
أما الركن الثالث فهو المناهج وهي التي تم العبث بها على مدار السنوات الماضية عشرات المرات وتغير النظام التعليمي واعتقد أنه تم تغييره في السنوات الثلاثين الأخيرة أكثر من 5 مرات وهنا أقصد الثانوية العامة حتى وصلنا إلى نظام غير مفهوم اسمه «البكالوريا المصرية».
والمناهج التعليمية لها علماء وخبراء متخصصون في وضعها وتهدف إلى تحقيق أهداف الدولة الكبرى ومنها خلق جيل قادر على الإبداع والابتكار وتحقيق التنمية الشاملة والقيادة في المستقبل وما أفهمه أن الحكومة تضع أهدافها وعلى الخبراء تحويلها إلى مناهج يتعلمها الطلاب من الصف الأول الابتدائي حتى الثانوي وتكون المناهج متراكمة متناغمة ومتناسقة في جميع المراحل.
أعتقد أن أركان أي عملية تعليمية تحتاج إلى الصدق في المعاملة وتوفير التمويل اللازم لبناء مئات المدارس للقضاء على الكثافة ورفع أجور المعلمين حتى يصل إلى مرحلة الكفاية والعمل على إعادة الأنشطة الرياضية والفنية والجوالة إلى المدارس مثل كل بلاد العالم.











