في كل موسم انتخابي، يتكرر المشهد نفسه لافتات تملأ الشوارع، مؤتمرات صاخبة، حملات دعائية تُنفق عليها أموال طائلة، وكأننا أمام سباق استثماري لا استحقاق سياسي، هذا الواقع يطرح سؤالًا مشروعًا، ماذا لو أصبح مجلس الشعب عملًا تطوعيًا بلا رواتب ولا امتيازات؟ هل ستبقى هذه الدعايات المبالغ فيها؟
المؤكد أن المشهد الانتخابي سيختلف جذريًا عن ما نراه اليوم من حملات دعائية مبالغ فيها وسباقات استثمارية على الأصوات كثير من هذه الدعايات المبالغ فيها لا تُبنى على مشروع حقيقي أو رغبة صادقة في خدمة الناس، بل على حسابات المكسب والوجاهة والنفوذ والمصالح الشخصية.
وعندما تزول هذه المكاسب، تزول معها الحاجة إلى الصرف الجنوني على اللافتات والصور والمؤتمرات، في هذا الواقع الجديد سيبقى في المنافسة فقط من يرى النيابة تكليفًا ومسؤولية حقيقية، ومن يملك رصيدًا حقيقيًا من الثقة لدى الناس، بينما يخرج من السباق أولئك الباحثون عن الظهور الإعلامي أو المنفعة الشخصية.
ستصبح الدعاية أقل تكلفة وأكثر صدقًا وأقرب إلى الناس، وستعتمد على السمعة والسجل العملي وليس على الصور واللافتات الكبيرة أو الشعارات الفضفاضة، وستتحول الثقة والقدرة على خدمة المجتمع إلى العملة الأساسية للفوز الدعايات المبالغ فيها اليوم ليست ظاهرة طبيعية بل نتيجة مباشرة لتحويل العمل النيابي إلى مكسب.
ولو أصبح مجلس الشعب تطوعيًا لاختفت مظاهر الإسراف وبقي جوهر السياسة حقيقيًا من يخدم الناس بصدق لا من يدفع أكثر، حينها فقط ستصبح الانتخابات أكثر هدوءًا وأصدق تعبيرًا عن إرادة المواطنين.
جزء كبير من التضخم الدعائي الحالي لا ينبع من الحرص على خدمة الناس، بل من العائد المنتظر من المقعد، فالنيابة في نظر البعض ليست مسؤولية تشريعية ورقابية، بل بوابة نفوذ، ووجاهة اجتماعية، ومصالح مباشرة أو غير مباشرة، لذلك يصبح الإنفاق الكبير «مفهومًا» باعتباره استثمارًا يجب أن يعود بالربح لاحقًا.
لو تحوّل مجلس الشعب إلى عمل تطوعي خالص، ستنقلب المعادلة، سيسقط الدافع المادي، وتذوب الامتيازات، ويتحوّل المقعد من غنيمة إلى عبء أخلاقي ومسؤولية ثقيلة، عندها، لن يكون هناك مبرر منطقي لإنفاق الملايين على دعاية بلا مقابل.












