يندهشون من رد فعلك وكأنهم لم يتوقعوا أي شيء آخر، لكن غرابة الأمر أنهم لا يندهشون من أفعالهم، ولا من أكاذيبهم وتصرفاتهم التي تخلو من النزاهة، يتصرفون وكأننا وُجدنا فقط لنتنازل من أجل راحتهم، متغاضين عن حقيقة أن التنازل المتكرر هو أعمق ما قد يدمر جوهر الإنسان.
لأنه كلما تنازلت وسامحت، فإن هذا يشجعهم على المزيد من التمادي. وإذ بحجة إعطاء الفرص المتكررة تتحول إلى وسيلة لفقدان نفسك وقيمتك أمامهم.
الشخص الذي يكذب مرة لا يستحق فرصة أخرى، ومن يخيب أملك لا يستحق إعادة الثقة مرة ثانية، إن اتخاذ قرار عدم منح فرص إضافية ليس قسوةً ولا خطأً منك، فهو قرار نابع من احترامك لذاتك ولأوجاعك التي لا يشعر بها أحد سواك.
ولكن السؤال الأهم: هل حقًا كل شخص يستحق فرصة جديدة؟ ماذا عن آلامك؟ وماذا عن كل مرة تحطمت فيها آمالك وواجهت الخيبة وحدك؟ فأين هو مكان مشاعرك وسط هذه المعادلة؟ وكيف لك أن توازن بين صراعاتك الداخلية اليومية وبين تلك الإحباطات المتكررة؟
لم يكن ناصيف زيتون مخطئًا عندما قال في أغنيته «أنا عايش أزمة ثقة»، كيف يمكن أن تكون الثقة متوفرة بعد منحها لأشخاص لم يستحقوها منذ البداية؟ أزمة الثقة تنبع عندما تنكشف لنا الوجوه الحقيقية لأولئك الذين وثقنا بهم، خاصةً عندما يكونون من أقرب الناس إلينا.
شعور الخذلان مؤلم لدرجة تعجز الكلمات عن وصفه؛ فهو وجع صامت يأكل قلبك ببطء، يربك عقلك ويحيرك فلا تدري أي قرار تتخذ أو كيف تتعامل مع كل ذلك الألم.
ربما ستفضل الهروب أو الانعزال لحماية ذاتك من مزيد من الانكسار، وربما تكون ردة فعلك قوية وانفعالية، وهنا سيلومونك كما لو كنت أنت السبب الوحيد في كل شيء، متجاهلين تمامًا ما أحدثوه بداخلك من آلام وخسائر.
لقد فقدت الثقة نتيجة لهؤلاء الأشخاص الأنانيين الذين يعيشون بلا ضمير ويحاولون دائمًا تحميل الآخرين مسؤولية أخطائهم، وحين يقول ناصيف زيتون «وهلأ كلمة مرحبا أوقات ما بصدّقا»، فهذه ليست مجرد كلمات أغنية عابرة بل تصوير حقيقي لانكسارات الثقة التي لا يمكن إصلاحها.
كيف سيكون الحال لو قرر كل شخص مراجعة أفعاله ووضعها في ميزان العدالة مع أخطاء الآخرين؟ ربما حينها فقط ستصبح الأحكام أكثر إنصافًا والعلاقات أكثر نقاءً. أما بالنسبة لي، فقد اخترت ألا أثق بأحد؛ لا أحد ليفرح لي أو ليحزن معي بصدق.
حتى «نحن سعداء لأجلك» تبدو كذبة باهتة في زحمة الابتسامات المزيفة والمجاملات الفارغة.
أنا أدرك جيدًا قيمتي أمام نفسي ولا أحتاج إلى أن يحددها لي الآخرون، في عالم طغى عليه النفاق وضاعت فيه الصراحة، اخترت أن أكتفي بنفسي، وأجد في الوحدة عزاءً صادقًا بدل الغوص في دوامة العلاقات السطحية والكلمات الخشبية.
لذا، عسى أن يُقدر الجميع خيار أولئك الذين اختاروا العزلة بهدوء بعيدًا عن صخب مجتمع يخلو من الصدق والإخلاص.














