في شؤون الحياة عمومًا، يبدو التكرار عدوًّا طبيعيًّا للشغف، وسرعان ما يتحوّل كل ما يتكرر إلى «روتين ممل» يُضعف الهمة ويفتّت العزيمة، فالإنسان بطبعه يملّ، ويضيق صدره بما اعتاده، حتى يفقد قدرته على التفاعل معه، مهما كان في أصله نافعًا أو مهمًّا.
غير أن العجيب – بل المدهش حقًا – أن الدين الإسلامي يقوم في جوهره على عبادات متكررة، ومع ذلك لا يورث التكرار فيها مللًا، ولا يطفئ جذوة الشوق، بل يزيدها اشتعالًا وحضورًا في القلب.
فالصلوات الخمس تتكرر في اليوم الواحد، ومع كل أذان جديد تجد المسلم الحق مقبلًا على الصلاة بشغف متجدد، وهمّة حاضرة، وإرادة صادقة، وخشوع وإخلاص، كأنها ليست صلاة مكررة، بل لقاء متجدد، وموعد لا يشبه سابقه، وكذلك سائر العبادات؛ تتكرر ولا تُستهلك، تُعاد ولا تُفقد معناها.
ومن أعظم تجليات هذا السرّ الرباني شهرُ رمضان المبارك، ذلك الضيف الذي يطرق أبوابنا كل عام، ومع ذلك لا يأتي أبدًا كعادته، بل نحياه في كل مرة بشوق مختلف، واستعداد خاص، نترقبه قبل قدومه بشهور، في رجب وشعبان، ونعدّ الأيام والساعات، ونلهج بالدعاء: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان»، «اللهم بلّغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين».
إنها حالة روحية سامية، لا يعرفها إلا من تسرب الإيمان إلى أعماقه، وسيطر على حواسه ومشاعره، وانعكس على أخلاقه وسلوكه وكل تفاصيل حياته، حالة تجعل التكرار في العبادة ليس عبئًا، بل نعمة، وليس عادة، بل حياة.
وهنا يتجلى سرّ هذا الدين العظيم: أن التكرار فيه ليس تكرارًا جامدًا، بل تجدد دائم؛ معنى يتعمق، وشوق يتزايد، وروح تُغسل في كل مرة من أدران الغفلة، فكل عبادة تعود، لكنها تعود بقلبٍ جديد، وبنفسٍ أكثر صفاء، وبشوقٍ أشد قربًا من الله.
تلك هي «الومضة» التي تذكّرنا بأن ما يُملّ في الدنيا، قد يكون هو نفسه طريق النجاة في السماء، فهنيئًا لقلبٍ وجد في التكرار عبادة، وفي العبادة حياة، وفي رمضان موعدًا سنويًّا لتجديد العهد مع الله كل عام، بروحٍ لا تشيخ.










