استكمالًا لقصتي مع أهل القرآن الكريم، أعود في هذه الحلقة إلى البداية الأولى، إلى الجذر الذي نبتت منه علاقتي بالقرآن، وإلى المكان الذي تعلّمت فيه أول حرف، وأول آية، وأول معنى للعلم والانضباط.
كانت البداية في كتاب الشيخ سيد علي بقرية كفر العمار، قبل أن أدخل أي مرحلة دراسية، وقبل أن أعرف معنى الصف الأول الابتدائي.
هناك، في هذا المكان البسيط، تشكّل الوعي الأول، وتكوّنت اللبنات الأولى للقراءة والكتابة، والحساب، وحفظ القرآن الكريم.
في الكتّاب لم نكن نحفظ القرآن فقط، بل كنا نتعلّم التهجئة من الهجاء، وكيفية رسم الحرف، ومبادئ الحساب، وتكوين الجملة، وحفظ الجداول والضرب، وكل ما يمكن أن يُسمّى اليوم بالتأهيل أو التأسيس أو التدريب الأولي.
كان الهدف واضحًا: أن يدخل الطفل المدرسة وهو ممسك بناصية القلم، قادر على القراءة، مستعد للفهم، ومؤهّل للتعلّم.
وعندما بدأت المرحلة الدراسية في الصف الأول الابتدائي، كنت قد غادرت الكتّاب، لكن أثره لم يغادرني.
خرجت من عند الشيخ سيد علي، عليه رحمة الله، وأنا أحمل ما لا تحمله المناهج وحدها… أساسًا متينًا، وانضباطًا، وحبًا للتعلّم.
كان الشيخ سيد علي رجلًا طاعنًا في السن، لكنه كان معلّمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وأشهد – بعد عمر وتجربة – أنني لم أرَ في حياتي مدرسًا أو معلّمًا يتعامل مع الصغار بمثل ما كان يملك من صبر، وحكمة، وقدرة على الاحتواء، وفهم لطبيعة الطفل.
كنت قد أطلقت عليه من قبل وصفًا أراه دقيقًا …مؤسس دولة التعليم في قرية كفر العمار.
كان رجلًا طيبًا، بسيطًا، لا يعرف التكلّف، وكل همه التعليم والقرآن.
يبدأ صباحه بالكتّاب، ويختم نهاره بالكتّاب.
يقضي يومه كاملًا في تعليم الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم، لا يتوقف عن ذلك إلا يوم الجمعة، أو في الأعياد والمناسبات الرسمية.
كان واهبًا نفسه للقرآن وللأطفال.
لم يكن التعليم عنده وظيفة، بل رسالة.
وكم خرج من تحت يديه أجيال وأجيال…
أطباء، ومهندسون، ومدرسون، ومحاسبون، وأصحاب مهن مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا أنهم دخلوا المدرسة وهم يمتلكون أدوات الفهم الأولى.
لم يخرج من تحت يديه طفل إلا وهو يعرف القراءة والكتابة، ويحفظ قصار السور، ويمسك بجدول الضرب، وقادر على أن يقرأ، ويكتب، ويسمع، ويناقش.
كان الطفل عنده يدخل الصف الأول الابتدائي مؤهّلًا تمامًا لأن يتعامل مع الكتاب والكراسة والقلم بثقة.
قدّم الشيخ سيد علي – رحمه الله – أجيالًا متعاقبة من أبناء كفر العمار والقرى المجاورة، أجيالًا امتلكت ناصية الكلمة، وناصية العلم، وناصية الحساب.
وكل ذلك بإمكانيات بسيطة، وفي زمن لم تكن فيه المدارس منتشرة أو متوفرة كما هي اليوم.
لم يكن الرجل متعلمًا تعليمًا نظاميًا كبيرًا، لكنه كان يمتلك ما هو أثمن … الفطرة السليمة، والخبرة، والإخلاص، وفهم رسالة التعليم.
وكان أولياء الأمور في ذلك الزمن يحرصون أشد الحرص على أن يتعلّم أبناؤهم في الكتّاب؛
يتعلّمون القراءة والكتابة، ومبادئ الحساب، ويحفظون سور القرآن، ويتعرّفون على أساسيات الصلاة والعبادة، والقيم الأولى التي تُؤسّس الإنسان لما هو قادم في حياته.
في كتاب الشيخ سيد علي، لم نكن نتعلّم الحروف فقط، بل كنا نتعلّم النظام، والاحترام، والصبر، وحب القرآن.
هناك بدأت قصتي مع أهل القرآن، لا بصوت مقرئ، بل بيد شيخ، وبقلب معلّم، وببركة مكان.
رحم الله الشيخ سيد علي، وجزاه عنا وعن كل من علّم خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته إلى يوم الدين.
وإلى حلقة جديدة، من قصتي مع أهل القرآن.













