شنت الولايات المتحدة الأمريكية ورفيقتها إسرائيل حربًا بلا مبرر على إيران، لا لشيء – في ظاهر المشهد – إلا لأنها تمارس حقها في السيادة وصياغة قرارها الوطني.
والأغرب أن تأتي هذه الحرب تلبيةً لرغبة إسرائيل، ووسط مفاوضاتٍ جارية في عُمان كان قد تم الاتفاق فيها على جولة جديدة، وفي أعقاب إعلان «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
أيُّ مفارقةٍ أفدح من هذه؟ مجلسٌ للسلام يولد، فتولد معه الحرب! شعارٌ يُرفع، فتُخفض تحته القنابل!
أيُّ مهزلةٍ هذه التي يتصدّر فيها دعاةُ السلام مشهدَ النار؟ وأيُّ عبثٍ سياسي يجعل من اللقب الأخلاقي ستارًا لقصفٍ معلن؟ لم يعد التناقض خفيًا، ولم تعد الازدواجية تحتاج إلى تفكيكٍ فلسفي، نحن أمام عالمٍ يُدار بوقاحة القوة، لا بمنطق القانون، وبسطوة السلاح، لا بشرعية المواثيق.
حين يتحدث دونالد ترامب عن «صناعة السلام بالقوة»، تبدو العبارة لامعة في قاعات المؤتمرات، لكنها على الأرض تعني حصارًا يخنق، وتهديدًا يتصاعد، وتحالفاتٍ تُبنى على فوهة المدفع، السلام هنا ليس قيمةً إنسانية عليا، بل أداة ابتزاز، ليس هدفًا أخلاقيًا، بل وسيلة ضغط.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد وُلدت من رماد حربٍ عالمية لتمنع تكرارها، فإنها اليوم تقف شاهدًا صامتًا على إعادة إنتاج الحروب بأدوات أكثر تطورًا، قراراتٌ تُجمَّد، مواثيقُ تُفسَّر وفق هوى الأقوياء، وحقُّ نقضٍ تحوّل إلى حقٍّ حصري في تعطيل العدالة.
ما جدوى منظومةٍ دولية لا تُفعَّل إلا حين يكون الخصم ضعيفًا؟ وما قيمة قانونٍ لا يملك الشجاعة لمساءلة من يملكون القوة؟
في قلب العاصفة تقف إيران، متهمةً بأنها تهديد دائم للاستقرار، تقول إنها تدافع عن أمنها وتمارس سيادتها، يختلف معها كثيرون، ويتفق معها آخرون، لكن السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: هل صار امتلاك قرارٍ مستقل جريمةً تستوجب الحرب؟ أم أن الجريمة الحقيقية هي الخروج عن الطاعة الجيوسياسية المفروضة؟
وإلى جوار هذا المشهد تقف إسرائيل، بعقيدةٍ أمنية لا تعترف إلا بالردع الاستباقي، وبدعمٍ غربي كثيف يجعل ميزان القوة مختلًا قبل أن تبدأ المواجهة، هنا لا يُطلب من العالم أن يبحث عن عدالةٍ متوازنة، بل أن يسلّم بالنتيجة سلفًا، ثم يباركها باسم «الاستقرار».
غير أن الفضيحة الأكبر ليست فقط في ازدواجية المعايير الدولية، بل في الصمت العربي والإسلامي الذي يكاد يُسمَع صريره، بياناتُ إدانةٍ محفوظة، عباراتُ استنكارٍ متكررة، واجتماعاتٌ تنتهي كما بدأت.
أمةٌ كانت يومًا لاعبًا مؤثرًا، تحوّلت إلى ساحةٍ مفتوحة، تتقاطع فوقها الصواريخ والمصالح، ويُطلب منها أن تكتفي بدور المتفرج الغاضب.
إنها لحظة انكشاف كاملة، انكشافٌ لقانونٍ دولي يُفصَّل على مقاس القوة، انكشافٌ لمنظومةٍ أممية تُشلّ عند أول اختبارٍ حقيقي، وانكشافٌ لواقعٍ إقليميٍ عاجزٍ عن الفعل، مكتفٍ برد الفعل، يصرخ في البيانات، ويصمت في الميدان.
الغضب هنا ليس انفعالًا عابرًا، بل إدراكٌ مرير بأن العالم الذي يُدار بمعادلة «القوة أولًا» سيتحوّل حتمًا إلى فوضى دائمة، لأن من يسمح اليوم بانتهاك سيادة دولةٍ بحجة الأمن، سيفتح الباب غدًا لانتهاك سيادته بالحجة نفسها، ومن يبرر العدوان إذا وافق هواه، سيتجرع مرارته حين يتبدل ميزان القوى.
لسنا أمام معركةٍ عسكرية فحسب، بل أمام معركة معنى، هل يبقى السلام كلمةً ذات قداسة سياسية وأخلاقية؟ أم يتحول إلى لافتةٍ تُعلّق فوق المنصات بينما القنابل تسقط؟ هل يبقى القانون الدولي مرجعيةً حقيقية؟ أم يصير نصًا جميلًا في أرشيفٍ مهجور لا يُستدعى إلا في الخطب؟
الحقيقة المُرّة أن الأمم التي لا تملك عناصر القوة تُستَخدم خرائطها أوراقًا في مفاوضات الآخرين، ومن لا يصنع قراره، يُصاغ قراره خارج حدوده، القوة اليوم ليست شعارًا حماسيًا، بل اقتصادًا متينًا، وعلمًا متراكمًا، وصناعةً متقدمة، ووحدة موقفٍ لا تتشقق مع أول ضغط.
«سلامٌ بالقنابل» ليس عنوانًا ساخرًا، بل توصيفٌ دقيق لمرحلةٍ اختلطت فيها المفاهيم، وتبدلت فيها المعايير، مرحلةٌ يُكافأ فيها من يفرض أمرًا واقعًا، ويُعاقب فيها من يطالب بحقه في الاستقلال.
لكن التاريخ لا يسير في خطٍ مستقيم، وحين تبلغ الفوضى ذروتها، تبدأ لحظة المراجعة الكبرى، السؤال ليس لماذا يتمدد الأقوياء؛ فالقوة بطبعها تتمدد، السؤال: متى ندرك أن الغضب وحده لا يبني توازنًا، وأن الشجب لا يصنع ردعًا، وأن البكاء على القانون لا يحميه؟
متى يتحول الغضب إلى مشروع قوة حقيقية؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا، قبل أن نواجه به العالم.
سلامٌ بالقنابل… عنوان المرحلة. فهل نملك عنوان المستقبل؟














