هذه الحلقة من قصتي مع أهل القرآن ذات طبيعة خاصة، لأن الرجل الذي أتحدث عنه رجل استثنائي بكل المقاييس؛ فريد في طبعه، فريد في حفظه، فريد في أثره، فريد في شخصيته، ومتفرّد في كل شيء.
إنه جدي لأبي: الشيخ عبد العزيز حسن هلال.
رجل لا أرى في ميزان حياتي قيمة تداني قيمته، ولا أثرًا يوازي أثره.
أحسبه – ولا أزكّي على الله أحدًا – من أهل القرآن الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: «أهلُ القرآن هم أهلُ الله وخاصتُه».
أسأل الله أن يرضى عنه، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما قرأ، وما حفظ، وما علّم، وما سُمع منه في ميزان حسناته، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
حين بدأ عودي يشتد في حفظ القرآن الكريم، أخذني أبي بيده وذهب بي إلى جدي.
لم يكن الذهاب انتقالًا بين بيتين، فبيوتنا كانت بيتًا واحدًا ممتدًا، لكن كان انتقالًا إلى مرحلة جديدة من العلاقة مع القرآن.
كان لي معه ورد يومي… لا فكاك منه، ولا اعتذار عنه.
قبل أن أتحدث عن علاقتي به، لا بد أن أتوقف عند شخصيته:
كان جدي رجلًا قويًّا، شديد الاعتزاز والاعتداد بنفسه، وهذا الاعتزاز لم يكن فراغًا أو كبرًا، بل كان قائمًا على أسس راسخة؛
أسس مادية: العائلة، المكانة، الهيبة، الصحة، القوة، العافية.
وأسس معنوية: وعلى رأسها حفظه المتين للقرآن الكريم.
لم يكن جدي الشيخ عبد العزيز هلال مجرد إمامٍ يتقدّم الصفوف، ولا قارئًا يُحسن مخارج الحروف فحسب، بل كان رجلًا يفهم القرآن كما يُفهم المعنى من نبض القلب.
كان ذا مكانة كبيرة بين الدعاة والخطباء والعلماء وأهل القرآن. فإذا حضر خطيبٌ للجمعة — معينًا رسميًا أو مكلفًا — كان الغالب الأعم منهم يقدّم جدي لإمامة الناس في الصلاة. لم يكن ذلك مجاملة، بل اعترافًا بمكانته، وثقةً في حضوره، ويقينًا بأن للصلاة خلفه طمأنينةً خاصة.
غير أن ما كان يميّزه حقًا لم يكن مجرد التقدّم للإمامة، بل تلك “اللمحة” القرآنية الذكية التي كان يقدّمها عقب الخطبة.
كان يصغي إلى الخطيب بعين الفقيه لا بأذن المستمع فقط. يستوعب الفكرة، ويلتقط جوهرها، ثم يختار من كتاب الله ما يكون خلاصةً مكثفةً للخطبة، أو تأصيلًا راسخًا لما ذهب إليه الخطيب، أو — أحيانًا — تصويبًا هادئًا بالقرآن إن احتاج المقام.
كان يقرأ آياتٍ كأنها كتبت لذلك اليوم، وكأنها نزلت تعليقًا مباشرًا على ما سمعناه قبل لحظات.
فتتحول الصلاة إلى تتويجٍ للفكرة، وتصبح التلاوة خاتمةً بلاغية لا يملك السامع بعدها إلا أن يقول في نفسه: نعم… هذا هو المعنى.
وفي بعض الأحيان — وأقولها بصدق الابن المفتخر — كانت الآيات التي يختارها أبلغ وأبين وأوضح من الخطبة نفسها.
لا انتقاصًا من الخطيب، ولكن لأن القرآن إذا وُضع في موضعه الصحيح، غلب كل بيان.
كنا — وبعضنا وأنا منهم — ننتظر تلك القراءة بشغف. لم تكن لحظة أداءٍ رتيب، بل لحظة كشف.
أي آيات سيختار اليوم؟
كيف سيختصر المعاني؟
كيف سيُحكم الإغلاق؟
ذلك الشغف لم يكن سببه جمال الصوت وحده، وإن كان حسن التلاوة حاضرًا، بل سببه فطنة الاختيار وذكاء الربط. كان جدي يدرك أن الإمام ليس مجرد قارئ، بل شاهدٌ على المعنى، ومسؤولٌ عن ختم المجلس بخلاصةٍ تُكتب في القلوب قبل أن تُتلى على الألسنة.
تعلمت منه — دون أن يلقّنني درسًا مباشرًا — أن القرآن ليس نصًا يُستدعى كيفما اتفق، بل ميزانٌ يوضع في اللحظة المناسبة.
وأن الفطنة في اختيار الآية قد تعادل خطبةً كاملة.
وأن البلاغة ليست في كثرة الكلام، بل في دقة الاستشهاد.
وأقولها بصدق وتجرد: لم يمر عليّ في حياتي؛ ممن التقيتهم مباشرة – حتى هذه اللحظة – من يضاهي جدي عبد العزيز في حفظ القرآن وإتقانه وجودة تلاوته، فضلًا عن شخصيته.
كان القرآن عنده حياةً لا علمًا، ووجدانًا لا مجرد محفوظ.
لي معه حكايات كثيرة، وقصص طويلة، لكن أعترف أن شيئًا ما تغيّر بعد فترة من الملازمة، والتسميع، والمراجعة؛
أحبني جدي حبًا شديدًا… وكنت أشعر بهذا الحب دون أن ينطق به.
وأطلق عليّ ألقابًا كثيرة، أحبها إلى قلبي لقب «صاحب الفضيلة»، وكان ينطقها بابتسامة تجمع الهيبة والمودة معًا.
أما الفترة الأطول والأعمق في رحلتي معه، فكانت حين لازمت جدي في تسميع القرآن يوميًا، ما بين صلاتي المغرب والعشاء، في مسجد النور بكفر العمار.
كان جدي دائم الصلاة في المسجد، وكان إمامًا عرفيًا، لم يُعيَّن بقرار، لكن الناس جعلوه إمامهم لقيمته، وحفظه، ومكانته، وهو كذلك كان مأذونًا شرعيًا للقرية.
كان أبي – رحمه الله – يصحبني كل يوم إلى صلاة المغرب، ثم يتركني أراجع وردي إن احتجت، ثم أجلس بين يدي جدي لأُسمّع.
كان جدي – رحمه الله – حين نصل إلى ترديد بعض السور الصعبة، يتعامل معي برأفة ورحمة عجيبتين.
كان يعرف متى يكون الحفظ مرهقًا، ومتى يشتد الضغط على النفس، فيلين عندها، ويتعامل بحسٍّ نفسي رفيع، يخفف عني وطأة الحفظ دون أن يفرّط في هيبته أو في حق القرآن.
كان يخفف عني أحيانًا بابتسامة، وأحيانًا بقفشة خفيفة، وأحيانًا بنبرة أبٍ يعرف متى يحتضن قبل أن يطالب.
وكم كنت أتعبه في الحفظ والتسميع – وكان ذلك كثيرًا – فيهمّ أبي أن يؤدبني، فيمنعه جدي على الفور.
وكان هذا المشهد يتكرر غير مرة.
لم يكن جدي يمنع أبي ضعفًا، ولا تدليلًا زائدًا، بل كان يرى بعين الحافظ الخبير أن الآيات صعبة، وأن الورد ثقيل، وأن الجهد مبذول، وأن النفس أرهقها السعي.
خاصة في سور مثل: هود، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس… وهي سور يعلم أهل القرآن كم تحتاج إلى صبر ومكابدة.
كان جدي يشدّني على الاجتهاد، لكنه كان يعطف عليّ عطف الأستاذ، وعطف الأب، وعطف من عاش مع القرآن عمرًا ويعرف متى يُؤخذ بالتيسير لا بالتشديد.
ومضت رحلتي معه كاملة، حتى وصلنا إلى مرحلة صار يسمع لي، وأسمع له.
وكانت خاتمة الأمر خيرًا؛ إذ سجّلت له القرآن الكريم كاملًا بصوته على شرائط كاسيت، وما زالت هذه الشرائط موجودة حتى اليوم.
وقد أوصى – رحمه الله – أن يُشغَّل صوته بالقرآن بعد وفاته، وقد كان…
فحين توفاه الله، شغّلنا جزءًا من تلك التسجيلات في البيت، فكان صوته بالقرآن حاضرًا حتى في الوداع.
له – رحمه الله – فضل لا يدانيه فضل عليّ في القرآن الكريم، وله مكانة لا يشاركه فيها أحد في قلبي، قرآنًا وأبوةً وأثرًا.
ومع ذلك، لا أريد أن يضيع حق أبي.
وإن كان حق الأب معلومًا لا يحتاج بيانًا، فإنني أشهد شهادة حق: أن فضل أبي عليّ ممتد من قبل الولادة إلى ما بعد الممات.
كان يتعهدني، ويعطّل أشغاله، ويأخذني إلى جدي، وإلى الشيوخ، ويتابعني عند الشيخ سلامة وغيره، وكان اهتمامه بتحفيظي القرآن اهتمامًا واعيًا مقصودًا.
كان منطلقه في ذلك إيمانًا عميقًا بأن القرآن سيضبط السلوك.
وقد كان.
فبالقرآن ضبطنا السلوك، وهذّبنا التصرف، وحسّنا الأخلاق.
فالحمد لله رب العالمين، ثم الحمد لأصحاب الفضل الأول والأخير، والأكبر والأعظم في حياتي كلها، في التعليم عمومًا، وفي القرآن خصوصًا: أبي… وجدي عبد العزيز، رحمهما الله رحمة واسعة، وأسكنهما فسيح جناته، وجعل القرآن شفيعًا لهما يوم يلقاه وأقولها بوضوح لا لبس فيه: الفضل الأول والأعظم في حفظي للقرآن الكريم يعود إلى أبي.
كان لديه إصرار عجيب، وعزيمة لا تلين، وبذل جهدًا عظيمًا لا يُقاس.
أما جدي، فكان – رغم هيبته – رؤوفًا بي، رحيمًا، يتجاوز عن بعض أخطائي، ويشفق عليّ حين تصعب عليّ بعض المواضع أو السور.
كان يعرف متى يُشدّد، ومتى يُيسّر، ومتى يحتضن قبل أن يُصحّح.
وهنا… تبدأ الحكايات التي لا تُروى في سطر، ولا تُختزل في حلقة واحدة.
وإلى الغد …
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن الكريم.














