ننتقل اليوم إلى حديث عن آخر حبة في عنقود دولة التلاوة المصرية، وفاكهة هذه الدولة الصوتية، وواحد من أعلامها الذين امتد أثرهم في قلوب المستمعين في كل مكان، فضيلة القارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوي – رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
لطالما ارتبط اسم الشيخ الطبلاوي في ذهني منذ الصغر بصوت القرآن القوي، وبالاستقرار الصوتي الذي لم يتغير طوال حياته، وبالأداء المتمكن الذي يضبط كل كلمة، وكل مد، وكل همزة، وكأن القرآن يتجسد فيه قراءةً وحرفًا وروحًا.
لم يلحن قط، ولم يخرج عن إطاره أبداً، وهذا ما يميز قارئًا عظيمًا عن مجرد قارئ متقن.
كنت وأنا طفلًا صغيرًا أسمع الناس يقولون: «عامل لي فيها الطبلاوي»، أي أن يُقرأ القرآن على منواله وأدائه الفريد، فظل هذا الاسم محفورًا في ذهني، واستمر معي منذ صغري.
فصوت الشيخ الطبلاوي كان نغماته فريدة، لا تخطئها الأذن، ولا يغفل عنها القلب، هو من القراء الذين ملأوا الدنيا قرآناً، وجابوا الأرض قراءةً للقرآن، من أولها إلى آخرها، ومن شمالها إلى جنوبها، تاركًا بصمة لا تُمحى في كل أرجاء العالم الإسلامي، وحتى خارج العالم الإسلامي.
فضيلة الشيخ الطبلاوي لم يكتفِ بالقراءة، بل أسس مدرسة متفردة باسمه، ولديه طلاب مقلدون يحاكون أدائه ويستلهمون منه، وهي ظاهرة طبيعية مع كبار الرواد الذين تركوا مدرسة متكاملة للجيل التالي.
لكن، كما يُقال، الصورة ليست كالأصل، فمن حاول أن يقلد الشيخ الطبلاوي لم يصل قط إلى العمق، لأن الأداء الذي يحمله هو قراءة متكاملة بين الحرف والمعنى والصوت والهيبة.
أتذكر موقفًا أو عدة مواقف وأنا أستمع له في قوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
أداءه في هذه الآية كان رائعًا إلى أقصى حد، حيث يجمع بين قوة الصوت ورهافة المعنى، فيرتقي بك الأداء إلى مستوى الشعور بالآية قبل مجرد نطق الكلمات.
وكذلك أداءه في آيات أخرى، سواء على مستوى الترتيل أو التجويد، فهو محكم في كل المشارب، صادق في كل الأحكام، محبب في كل الوقفات، ومتقن لكل مخارج الحروف.
لقد كان فضيلة الشيخ محمد محمود الطبلاوي من القراء الذين ساهموا إسهامًا فاعلًا في إعلاء دولة التلاوة المصرية، الدولة التي هي بالفعل مصدر فخر لكل مسلم ومحبي القرآن حول العالم.
كانت الدولة التي يمثلها هو وإخوانه القوة الناعمة لمصر، التي حملت القرآن إلى كل القرى، إلى كل البيوت، إلى كل المدارس والمعاهد، وإلى كل أرجاء العالم، فقد قرأ في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، ونجح في إيصال الصوت القرآني إلى كل مكان، حتى أن الناس في أصقاع الأرض يعرفون اسم «الطبلاوي» بكل الاحترام والإجلال.
ومن أعظم ما يميز الشيخ الطبلاوي هو التزامه بتراث دولة التلاوة المصرية، حرصه على أن يصل الأداء الصحيح للأجيال القادمة، وأن يكون القرآن حاضرًا في كل بيت ومعلم، في كل مدرسة، في كل كتاب.
ارتبط اسمه بالمصطلح الشائع بين الناس: «عامل فيها الطبلاوي»، أي أن تُقرأ التلاوة على منواله وإتقان أدائه، وكان ذلك شرفًا عظيمًا لكل من وصل إلى مستواه وذاق طعم قراءته.
فضيلة الشيخ محمد محمود الطبلاوي، رحمه الله، كان قارئًا محكمًا، قويًا، ثابتًا، ذا شخصية صوتية قوية، وذو مدرسة متفردة، فأسس لنفسه مكانة لا يمكن أن يُدانيها قارئ آخر بسهولة.
بركات صوته وصدق أدائه وإتقان تجويده جعلت منه ملكًا بين القراء، سواء في مصر أو العالم الإسلامي بأسره، وصار اسمه مرادفًا للجودة، والتفرد، والرصانة في الأداء القرآني.
رحم الله الشيخ محمد محمود الطبلاوي، وبارك في ما تركه من تراث قرآني عظيم، وجعل ما قرأ في ميزان حسناته، وجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكتب لنا سماع القرآن بصوته في الفردوس الأعلى.
وإلى الغد في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن الكريم، حيث نواصل رحلة الانبهار بعالم القراء، وكل حلقة تحمل بصمة جديدة، وأثرًا خالدًا في قلوبنا وأرواحنا.














