استكمالًا لسلسلة قصتي مع أهل القرآن الكريم، تأتي حلقة اليوم مختلفة في نبرتها، أقرب إلى القلب، وأكثر التصاقًا بالروح؛ لأنني أتحدث فيها عن قارئي المفضل.
نعم، دولة التلاوة المصرية أنجبت عمالقة لا يُجارَون، وأساطين لا يُختلف على مكانتهم، وقد مررنا على كثير منهم في الحلقات السابقة، لكن يبقى لكل إنسان قارئه الذي يميل إليه قلبه، ويأنس بصوته، ويجد فيه راحته الخاصة، ذاك القارئ الذي تستطيع أن تسمعه في كل وقت، دون ملل أو فتور.
قارئي المفضل هو فضيلة القارئ الشيخ محمد بدر حسين، ذلك الصوت الذي أصفه دائمًا – عن يقين لا مجاز – بأنه كروان القراء، وكروان الإذاعة، وكروان المقرئين.
فالشيخ محمد بدر حسين من أولئك القراء الذين ترى في ملامحهم سمت أهل القرآن قبل أن تسمع صوتهم؛ ترى في وجهه هدوءًا، وسكينة، وطمأنينة، وكأن القرآن قد ألقى بظلاله على ملامحه وهيئته، قبل أن يستقر في صوته وأدائه.
وعندما تبدأ الاستماع إليه، تشعر وكأنك أمام كروان حقيقي، لا ينافس أحدًا، ولا يزاحم الأصوات، بل ينساب صوته بعذوبة طبيعية، عذوبة لا تصنعها الحنجرة وحدها، بل تصنعها الروح قبل الصوت.
هو قارئ إن أردت الطرب القرآني الرزين وجدته، وإن أردت المعنى وجدته حاضرًا بقوة، وإن أردت الجمع بين المتعة والخشوع، فستجده يفتح لك هذا الباب على مصراعيه.
وللشيخ محمد بدر حسين معي قصة خاصة، ربما كانت أحد أسباب تعلقي الشديد به. فقد التقيته شخصيًا في أبوظبي، خلال إحدى جولاته الرمضانية خارج القطر المصري. جلست إليه، وتحدثنا طويلًا، وأجريت معه حوارًا صحفيًا آنذاك.
وكان لقاءً إنسانيًا بقدر ما كان لقاءً مهنيًا؛ احتفى هو بالكلمة، واحتفيت أنا به وبصوته وتاريخه، فوجدت أمامي إنسانًا بسيطًا، هادئًا، يشبه صوته تمامًا، لا تكلف فيه ولا ادعاء.
ومن القراءات التي لا أملّ سماعها له: قراءته في سورة طه، وسورة الأحزاب، وغيرها من السور التي يتجلى فيها صوته على أكمل وجه، وكذلك قراءته في قصار السور، مثل ألم نشرح لك صدرك، حيث يمنحك من حلاوة القرآن ومتعة الاستماع ما لا يمنحك إياه غيره.
فهو قارئ يعرف كيف يستخدم أدواته، وكيف يوظف إمكانياته الصوتية دون إسراف أو إجهاد. لا يتصنع، ولا يتزيد، ولا يرهق صوته بما لا يحتمل، بل يترك للصوت مساحته الطبيعية، فينساب الأداء سلسًا، عميقًا، صادقًا.
والأهم عندي أن الشيخ محمد بدر حسين لا يمنحك فقط حلاوة الصوت، بل يمنحك حلاوة المعنى.
في كل مرة أستمع إليه، أشعر أنني أسمع الآية وكأنها تُقرأ لي للمرة الأولى، كأنها تضاف إلى فهمي إضافة جديدة، وهذا في رأيي سر من أسرار القارئ الحقيقي: أن يُجدِّد في المعنى دون أن يغيّر في النص.
وله معي أيضًا حكاية عائلية قديمة، قصصتها له يوم التقينا، لكنني آثرت ألا أذكرها هنا، فنحن في حضرة أهل القرآن، والمقام مقام ذكر ووفاء لا استطراد فيه.
أستطيع أن أقول – عن يقين – إن الشيخ محمد بدر حسين من القراء الذين جعلوني أرتبط بسماع المقرئين ارتباطًا أصيلًا، وجعلني أتوق إلى صوته في كل وقت، في السكينة كما في التعب، في الفرح كما في الانكسار.
هو صوت ألوذ به، وأطمئن إليه، وأجد فيه القرآن كما أحب أن أسمعه: قريبًا، دافئًا، صادقًا.
رحم الله فضيلة القارئ الشيخ محمد بدر حسين رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل ما قرأ في ميزان حسناته، وكتب لنا أن يكون مقرئنا في الجنة، مع أساطين دولة التلاوة جميعًا.
وإلى الغد … في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن الكريم.












