في كل صباح يشق فيه نور الشمس طريقه إلى السماء، ترى رجلاً مسناً، أثقلته الأيام وحملته دهور العمل وتعب السنين، يمسك بدفتر صغير في يده المرتعشة.. الدفتر لا يحمل قصص الأحلام التي عاشها، بل أرقاماً تنكمش أمام جموح الضروريات، يقف الرجل في طابور طويل، غير مستعجل، فقد اعتاد الانتظار.
إنه لا ينتظر نعمة إضافية ولا هدية غير محسوبة، بل يصطف ليحصل على حقٍ هو في الأصل انعكاس لعمر أُنهك في ساحات العمل والبناء.. هذه ليست رواية يومية لشخص واحد، بل فصل مشترك من حياة وطن بأكمله، إنها حكاية أصحاب المعاشات.
سنوات طويلة من البذل والعمل الدؤوب قضوها، أجيال أعطت دون أن تنتظر يوماً أن تتوقف عن العطاء.. بزوغ الفجر كان إعلاناً عن بداية يوم جديد لمسؤوليات جسيمة وأحمال ثقيلة، ليس لأنهم توقعوا امتيازات ضخمة أو حياة مترفة في النهاية، بل لأنهم آمنوا أن المستقبل الذي يصنعونه سيكافئ إخلاصهم بالاحترام والكرامة.
الواقع خيب الظنون.. عمر كامل من العمل المكثف أبدلته الحياة بقيمة هزيلة بالكاد تضمن لهم الحد الأدنى من الأساسيات، وتلاشت المشقة والأيام أمام أرقام جافة لا تعكس حقيقة ما بذلوه.
المأساة ليست في المال وحده، بل في الخيبة التي تتسلل إلى القلوب كالليل الحالك السواد؛ إحساس متنام بأنهم تُركوا وحيدين وسط المعركة الصامتة لتأمين احتياجاتهم اليومية.
لم تعد أيامهم مغلفة بالطمأنينة التي ظنوا أنها ستأتي بعد عبور سنوات العمر الثقيلة، بل أضحت معارك متكررة لتأمين الدواء وسداد فواتير المعيشة وتبضيع قطعة خبز تحفظ الكرامة.
القضية هنا لا تكمن فقط في شح الموارد أو ضعف الإمكانيات.. المعاش ليس هبة ولا صدقة عابرة، بل حق أصيل لكل من أفنوا حياتهم لتشييد المستقبل لأجيال تتبعهم.
المسألة إذا، تتجاوز الأرقام إلى حدود أكثر عمقًا، تمس روح العدالة وكرامة الإنسان، فحينما تصطدم معاناة هؤلاء الأبطال بصمت التقدير المجتمعي، تتحول إلى صرخة تضج بالأسى وتساءل الضمائر.
الأكثر قسوة أن هؤلاء لا يطالبون بما هو أبعد من متناول الممكن؛ هم لا يسعون وراء الرفاهية أو الترف الزائد.. حلمهم بسيط للغاية: حياة تحفظ كرامتهم وتأمين يمنحهم الأمان الذي حُرموا منه لسنوات، ابتسامة تسكن وجوههم بدلاً من القلق العميق ومساحات الراحة التي يغيب ذكرها وسط الأزمات المتكررة.
أن تكون من بين أصحاب المعاشات يعني أن تعيش على ذكريات مضت وشوق لما لن يعود.. إنها ليست أرقامًا صماء تُدون على الأوراق ولا مجرد مخصصات مالية مذكورة في الموازنات العامة للدولة، إنها أرواح تحمل خرائط نضال في جعبتها وقصصًا تقصها ملامح التجاعيد التي حفرت على الوجوه بلا رحمة، خلف تلك الوجوه المُجهدة تختبئ قلوب عظيمة أَحبت وأعطت وانتظرت الإنصاف.
وفي نهاية المشهد الضبابي، يتسلل إلى الأذهان السؤال الذي يبقى مفتوحًا بلا إجابة مُرضية: كيف تُقاس مكانتنا كأمة إذا عجزنا عن رد الجميل لمن وضعوا حجر الأساس لهذا البناء؟ وهل يأتي اليوم الذي تتحول فيه تلك الحكاية المريرة إلى موعد مع العدالة والرفق؟ أم ستبقى مجرد صفحة باهتة في تاريخ يستمر في تجاهل هؤلاء الذين كانوا سنداً له؟
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














