قضية الغذاء لم تعد مجرد جدل طبي يُحسم داخل الدوائر العلمية، بل أصبحت مرآة تعكس حالة أعمق من التحديات التي تواجه المجتمع.. بين الاستقطاب الحاد، والضغط الاقتصادي، وتآكل الثقة، يتصادم الفهم العلمي مع المعتقدات الشخصية والمواقف الأيديولوجية.
هكذا، يتحول الطعام من مجرد ضرورة حيوية إلى فتنة غذائية وساحة معركة تعصف بها قضايا سياسية واجتماعية أوسع.
الدكتور ضياء العوضي، يُعد مثالًا بارزًا لهذه الظاهرة، فقد أثار الجدل في حياته بطرح أنظمة غذائية بديلة، واستمر هذا الجدل بعد رحيله ليكشف عن عُمق الأزمة.
الرجل لم يكن مجرد متخصص يُشارك رؤى علمية، بل بات رمزًا لحالة أعمق من أزمة الثقة المجتمعية بالمؤسسات، ففي وقت يزداد فيه شعور المواطن بعدم الاطمئنان للمصادر الرسمية للمعلومات، يرتفع شأن الأصوات «المعارضة»، ليس لأنها الأصدق أو الأعلم، بل لأنها تبدو الأكثر جرأة على الخروج عن السائد.
هذا المناخ المشحون بالأزمات الاقتصادية والسياسية يعزز ظاهرة الاعتماد على الخطابات البديلة، فالمواطن الذي يثقل كاهله الغلاء وتضيق خياراته الغذائية بات يبحث عن حلول تتماشى مع قدراته المحدودة وتُخفف من قلقه اليومي، حتى وإن كانت تلك الحلول تنقصها الأدلة العلمية الصلبة.
وهنا تظهر السياسات الشعبوية التي تستغل هذه الثغرات المعرفية والاقتصادية لزيادة نفوذها، حيث يتحول الغذاء إلى ورقة جديدة في يد من يسعى لترسيخ حضور إعلامي أو سياسي.
ما يزيد الطين بلّة هو غياب دور فاعل لمؤسسات العلم والمعرفة في تقديم أجوبة سريعة وموثوقة على تساؤلات الناس، مما يفسح المجال أمام اجتهادات فردية تتحول بمرور الوقت إلى «حركات شعبية» تتحدى السياق العلمي وتأخذ طابعًا أيديولوجيًا.
كل تأخر في طرح رواية رسمية واضحة يفتح الباب أمام أشكال متعددة من التشكيك في كل ما هو رسمي، ويُنتج فراغًا تستثمره أصوات تلهث خلف الشهرة أو المصالح السياسية.
إن هذه الأزمة تتجاوز قدرة مؤسسات معينة على تقديم المعلومات إلى مسألة إدارة المعرفة والثقة في المجال العام برمّته، فهي تشخص مرضًا أصغر يتجلى في قضايا الغذاء ليكون انعكاسًا لمرض أكبر: غياب الشفافية والنقص في الإرشاد العلمي المبني على الأدلة.
بذلك، يصبح الجسد ساحة صراع ليس فقط بين أطباء ومختصين، ولكن بين أدوات التأثير الاقتصادي والسياسي والنفسي التي تلاحق المواطن.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تدخلًا يتجاوز مجرد تقديم نصائح غذائية أو محاولات بائسة لمصادرة الأصوات المخالفة، بل يحتاج المجتمع إلى بناء جسور جديدة للثقة عبر تعزيز الشفافية، وسرعة الاستجابة المؤسسية لتساؤلات الناس، وتوفير بدائل معرفية واقتصادية تتيح للمواطن خيارات واقعية وواضحة.
رحل الدكتور ضياء وبقي الجدل ورحلت معه فرص لفهم أدق وأعمق للإشكاليات التي نعيشها، ليس السؤال الأساسي «ماذا نأكل؟»، بل كيف يمكننا إعادة ترميم الثقة في العلوم، في المؤسسات، وفي النظام الاقتصادي؟ ما لم تُعالج هذه الأسئلة بجدية، فإن «الفتنة الغذائية» ستبقى مجرد عرض لمرض أكثر خطورة يهدد الاستقرار الاجتماعي والمعرفي معًا.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














