في لحظة مشحونة بالأحداث، تتبدل أولويات العالم بسرعة لافتة، تتصدر عناوين جديدة، وتُدفع قضايا أخرى إلى الهامش، مهما كانت قسوتها، هذا ما حدث مع تصاعد التوتر والحرب مع إيران، حيث تحول التركيز نحو المواجهة الكبرى، بينما تراجعت إلى الخلف مشاهد القتل والدمار في غزة وجنوب لبنان، وحتى سوريا، التي لم تغب مأساتها يومًا، لكنها غابت عن الضوء.
ليست هذه المرة الأولى التي «تخطف» فيها حربٌ كبرى الأضواء من مآس قائمة، لكنها من أكثر اللحظات وضوحًا، فبينما كانت الأنظار مشدودة نحو احتمالات التصعيد الإقليمي، تضاءل حضور معاناة المدنيين في أكثر من ساحة.
في غزة، يستمر النزيف، في جنوب لبنان، التوتر قابل للاشتعال في أي لحظة، وفي سوريا، تتواصل معاناة ممتدة منذ سنوات، حتى كأنها أصبحت «خبرًا قديمًا» لا يلفت الانتباه.
هذا التراجع في الاهتمام لا يمكن فصله عن واقع سياسي وإعلامي يعيد ترتيب الأولويات وفق موازين القوة والمصالح، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة أعمق، هشاشة الموقفين العربي والإسلامي، وعجزهما عن الحفاظ على بوصلة موحدة، تجعل من كل هذه القضايا ملفًا واحدًا لا يقبل التجزئة أو النسيان.
بدل أن تكون هذه الأزمات المتداخلة لحظة توحد، تحولت في كثير من الأحيان إلى سبب إضافي للانقسام.. اختلاف المواقف، تضارب الحسابات، واستدعاء الخلافات السياسية والمذهبية، كلها عوامل ساهمت في تشتيت الجهود.
ومع كل أزمة جديدة، تتسع الفجوة أكثر، ويتحول النقاش من جوهر القضايا إلى صراعات جانبية تستهلك الطاقة ولا تنتج حلولًا.
في سوريا، يظهر هذا المشهد بوضوح مؤلم، سنوات من الصراع لم تنتج فقط دمارًا ماديًا هائلًا، بل كشفت أيضًا عن حجم الانقسام الإقليمي والدولي، وكيف يمكن لقضية مركزية أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومع مرور الوقت، لم تختفِ المعاناة، بل اختفى الاهتمام بها.
اختزال هذا الواقع في فكرة «مؤامرة كاملة» قد يكون مريحًا، لكنه لا يفسر كل شيء، فبينما تلعب السياسات الدولية دورًا حاسمًا في توجيه الأحداث، يبقى العامل الداخلي عنصرًا لا يمكن تجاهله.
الانقسام لا يُفرض فقط من الخارج، بل يجد أرضًا خصبة حين تغيب الثقة، وتضعف مؤسسات العمل المشترك، ويتراجع الحوار العقلاني.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الفرقة، مهما كانت مبرراتها، تظل أحد أخطر مصادر الضعف، فهي لا تؤدي فقط إلى تراجع الموقف السياسي، بل تُفقد القضايا الإنسانية زخمها، وتجعل من السهل أن تتحول المآسي-في غزة، أو جنوب لبنان، أو سوريا- إلى مجرد عناوين عابرة في زحام الأخبار.
وسط هذا التشابك المعقد من الأزمات، تبدو كل محاولات الخروج الفردي مجرد تأجيل للانفجار لا أكثر، فلا موازين القوة ستتغير لصالح واقع منقسم، ولا مسارات الصراع ستنحني أمام تشتتٍ مستمر.
الحقيقة التي قد تكون قاسية، لكنها واضحة، ألا أمل حقيقي ولا طوق نجاة من هذا المأزق إلا باستعادة ما فُقد منذ زمن «وحدة الصف».
ليست الوحدة هنا شعارًا عاطفيًا يُرفع في أوقات الأزمات، بل شرط بقاء.. بدونها، تظل كل قضية قابلة للتهميش، وكل مأساة قابلة للنسيان، وكل حق قابل للتآكل مع الوقت.. أما بها، فيتحول الضعف إلى قوة، والتشتت إلى موقف، والصوت المتفرق إلى حضور لا يمكن تجاهله.
قد تبدو الطريق إلى الوحدة طويلة ومعقدة، لكنها تظل أقل كلفة من استمرار الفرقة، فالتاريخ لا يرحم المنقسمين، ولا يمنح فرصًا متكررة لمن يصر على إعادة أخطائه.
باختصار.. بين واقع يتآكل بصمت، ومستقبل يُعاد تشكيله دوننا، لا يبقى أمامنا سوى إدراك حقيقة واحدة: أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، وأن النجاة، إن وُجدت، لن تكون إلا معًا.













