في الوقت الذي يعيش فيه ملايين المصريين ضغوطًا اقتصادية متزايدة، جاءت أزمة العدادات الكودية لتفتح بابًا جديدًا من الغضب والتساؤلات، بعدما تحولت من حل مؤقت لتنظيم استهلاك الكهرباء في العقارات المخالفة، إلى أداة ضغط وجباية عاجلة تحت مسمى «التصالح»، يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده، بينما يغيب الطرف الحقيقي المسؤول عن المشهد بالكامل.
خلال الأسابيع الأخيرة، فوجئ آلاف السكان بتهديدات متكررة بقطع التيار الكهربائي عن الشقق التي تعمل بنظام العدادات الكودية، بحجة ضرورة إنهاء إجراءات التصالح على مخالفات البناء.
ومع اقتراب موسم الامتحانات، واستعداد الأسر لعيد الأضحى، بدا القرار صادمًا للكثيرين، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع أسعار كل شيء تقريبًا، من الغذاء إلى الإيجارات وفواتير الخدمات.
المفارقة المؤلمة أن أغلب أصحاب هذه الشقق ليسوا أصحاب المخالفات الحقيقية، كثير منهم مجرد مواطنين اشتروا شققًا بعد سنوات من العمل والادخار، وبعضهم ما زال حتى اليوم يسدد أقساط الوحدة السكنية للمقاول أو المالك.
هؤلاء لم يبنوا الأبراج المخالفة، ولم يحصلوا على تراخيص، ولم يشاركوا في أي تجاوز إداري أو هندسي، ومع ذلك يجدون أنفسهم الآن في مواجهة مباشرة مع الدولة، وكأنهم الطرف الوحيد الذي يجب أن يدفع الثمن.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أين كانت الجهات المسؤولة عندما كانت هذه الأبراج تُبنى طابقًا فوق طابق، لسنوات طويلة وتحت أعين الجميع؟ كيف ظهرت عشرات العقارات المخالفة في مناطق كاملة دون أن يتحرك أحد في وقتها؟ ولماذا تُرك المخالف الحقيقي، الذي حقق ملايين الجنيهات من بيع الوحدات، بينما تتم ملاحقة السكان البسطاء اليوم عبر التهديد بقطع الكهرباء عن أسر كاملة؟
العداد الكودي في الأساس كان وسيلة لضمان حق الدولة في تحصيل قيمة الاستهلاك دون الاعتراف القانوني بالعقار، لكنه تحول تدريجيًا إلى ورقة ضغط لتحصيل أموال التصالح بصورة عاجلة، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمواطنين.
هل من المنطقي أن تُقطع الكهرباء عن طالب يستعد لامتحاناته؟ أو عن أسرة بالكاد تتحمل نفقات الحياة اليومية؟ وهل أصبحت الخدمات الأساسية وسيلة لإجبار الناس على دفع ما لا يملكون؟
الأزمة لا تتعلق بالكهرباء فقط، بل تكشف عن خلل أعمق في طريقة إدارة ملف البناء والمخالفات في مصر، فبدلًا من محاسبة من تسببوا في هذه الفوضى العمرانية منذ البداية، يتم تحميل العبء بالكامل للمواطن النهائي، الذي وجد نفسه عالقًا بين جشع بعض المقاولين ورغبة الحكومة في تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال تحت أي مسمى.
ربما الأخطر من كل ذلك، أن المواطن بدأ يشعر بأن الدولة لا تراه إلا كمصدر جديد للرسوم والغرامات والجباية، بينما تتراجع فكرة العدالة والمحاسبة الحقيقية، فحين يغيب المسؤول الأصلي عن المشهد، ويظل المواطن وحده في دائرة العقاب، تتحول الأزمة من مجرد «مخالفة بناء» إلى أزمة ثقة كاملة بين الناس والحكومة.
في بلدٍ يبحث مواطنوه كل يوم عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، لا يجب أن تتحول الكهرباء إلى أداة عقاب جماعي، ولا أن يصبح المواطن البسيط الحلقة الأضعف دائمًا في معادلة الأخطاء الكبرى.
الدولة التي تريد استعادة هيبتها الحقيقية لا تبدأ بقطع التيار عن الأسر والطلاب، بل تبدأ بمحاسبة من صنعوا المخالفة وربحوا منها لسنوات تحت سمع وبصر الجميع، أما أن يُترك أصحاب الأبراج والمخالفات الكبرى بعيدًا عن المساءلة، بينما يُدفع السكان إلى حافة الخوف والظلام والعجز، فهذه ليست عدالة، بل جباية ترتدي ثوب القانون.













