في مصر اليوم، يبدو التعليم أقل شبهاً بحقه الأساسي الذي تضمنه الدولة، وأكثر قرباً من رفاهية مقتصرة على من يملك الوسائل المادية لدفع تكاليفه.
هذا الواقع يتجلى جلياً في سياق مؤتمر التعليم الأخير؛ حيث تحدث وزير التربية والتعليم عن الإنجازات الهائلة والتطوير غير المسبوق، وكأننا بصدد وصف واقع مختلف عما يعيشه الملايين من المصريين.
في حياة هؤلاء الملايين، يتحمل أولياء الأمور أعباء مالية لا تحتمل؛ من مصاريف المدارس إلى الدروس الخصوصية، مروراً بالكتب والمنصات الإلكترونية.
أما المدرسون، فكثيراً ما يفقدون كرامتهم في ظل الفقر والضغوط الحياتية، بينما يتحول الطلبة إلى متسابقين في نظام تعليمي يفتقر إلى القدرة على تقديم الأمل أو الكفاءة، فتبقى أحلام المؤتمرات صدى يتلاشى حين يرتطم بواقع المدارس المتهالك.
النتيجة هي فجوة شاسعة، تتعمق يوماً بعد يوم بين الشعارات الرسمية الرنانة وواقع التعليم البائس، فصول مكتظة، معلمون منهكون اقتصادياً ونفسياً، طلاب متخبطون بين العجز والإحباط، وأسر مثقلة بتكاليف تغلق أمام أبنائها باب الطموح.
يظهر تعليمنا كخدعة تسوقها بيانات مصقولة ومظاهر خادعة، بينما تنكشف الحقيقة في كل زاوية من زوايا العملية التعليمية.
ذلك «التطوير» الذي يُتباهى به في الكلمات يبدو، بكل أسف، محصوراً في نقل عبء التعليم إلى عاتق الآباء وأطفالهم، النجاح لم يعد مرهوناً بإمكانات الطالب أو جديته، بل بقدرة أسرته على تحمل نفقات الدروس والمدرسين الخصوصيين التي تبتلع أوقاتهم وأموالهم معاً.
أما المدارس بمعناها الحقيقي كمراكز لبناء العقول وتنمية الشغف العلمي فقد غدت مجرد مأوى للروتين اليومي الممل، بينما تنهال الأعباء المالية على الأسر وتتصاعد الطموحات المخنوقة.
ليس الطفل هو الوحيد الذي يدفع ثمن هذه المنظومة المتهالكة؛ المعلم أيضاً أرغم على التخلي عن دوره كمربي ومثل أعلى للعلم والقيم، راتبه لا يسد رمق ضرورياته وأسرته، في وقت يُطالب فيه بمواجهة تحديات لا تُحصى وقدرة خارقة على رفع مستوى طلاب ينقصهم كل شيء تقريباً.
ورغم هذا الواقع المحبط والمأساوي، ما زال الخطاب الرسمي يتحدث عن «بناء الإنسان»، ولكن كيف يتم بناء إنسان بلا أدنى مقومات؟ كيف يمكن تحقيق هذا الهدف في قاعات دراسية تتكدس بأعداد مهولة دون تخطيط؟ كيف يمكن لطفل محروم من بيئة دراسية لائقة أو معلم مستقر مادياً ونفسياً أن ينجح؟ وكيف نطلب من أسرة مرهقة مادياً ونفسياً أن تستثمر في حلم تعليم بات كابوساً؟
المشكلة الأخطر تتجاوز أزمة التعليم ذاتها لتصل إلى محاولات التجميل والتضليل، ففي وقت تعاني فيه ملايين العائلات لتوفير نفقات التعليم، تستمر وسائل الإعلام في الترويج لإنجازات وهمية، ما يضيف إلى أعباء المواطن شعوراً بالغربة والخذلان من دولته.
التعليم أبعد ما يكون عن الرفاهية؛ بل هو حق أصيل وأساس للعدالة الاجتماعية، نجاح المنظومة التعليمية لا يقاس بالخطابات أو التطبيقات الرقمية أو صروح البهرجة الإعلامية، بل بالحفاظ على كرامة المعلم وتأمين أسر الطلاب برؤية اقتصادية شفافة وعادلة.
الوطن لا يمكن أن ينهض وأطفاله يتعلمون وهم مثقلون بالخوف مما ينتظرهم غداً، انهيار جدران المدارس قد يُجدد بالإصلاحات، لكن انهيار الإيمان بقيمة التعليم وعدالته يمثل كارثة أعظم.
حين يدرك المواطن أن تعليم أبنائه لم يعد حقاً مشتركاً يكفله الجميع وإنما امتيازاً خاصاً يناله الأغنياء دون سواهم، فإن الأثر يمتد لعقود، عوضاً عن بناء مستقبل مشرق، نجد أنفسنا نعيد تدوير حلقات اليأس والفقر جيلاً بعد جيل.
يمكن للحكومات تجميل الأرقام والقاء البيانات الرنانة وعقد المؤتمرات اللافتة، لكنها لن تنجح في محو الألم عن وجوه أب تخنقه الديون أو أم تبيع ممتلكاتها المتواضعة بحثاً عن أمل لطفلها في غدٍ أفضل، أو دمعة معلم أرهقته الحياة، أو طالب فقد يقينه بأن هذا الطريق سيقوده يومًا إلى مستقبل يستحقه.. الأوطان لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بعدد الأطفال الذين يدخلون مدارسهم وهم يشعرون أن الحلم ما زال ممكنًا.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














