لم يكن أصحاب المعاشات يومًا عبئًا على هذا الوطن، بل كانوا أعمدته التي استند إليها وهو يشق طريقه وسط العواصف، هم الرجال والنساء الذين استيقظوا قبل شروق الشمس لعقود طويلة، حملوا حقائبهم وأحلامهم البسيطة، وذهبوا إلى المصانع والمزارع والمكاتب والمدارس والمستشفيات، يضعون حجرًا فوق حجر في بناء دولة أرادوا لها أن تكون أقوى وأجمل وأكثر قدرة على الحياة.
سنوات طويلة من العمل لم تكن مجرد أرقام في دفاتر الخدمة، بل كانت أعمارًا كاملة أُنفقت من أجل الوطن، ذبلت الوجوه من التعب، وانحنت الظهور من المشقة، وضعفت الأبصار من طول السهر والكفاح، وتآكلت الأجساد تحت وطأة العمل والقلق والمسؤوليات.
كانوا يدفعون من صحتهم ثمنًا لكل إنجاز، ومن أعصابهم ثمنًا لكل أزمة، ومن أعمارهم ثمنًا لكل خطوة تقدمت بها البلاد.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ عندما تنتهي سنوات الخدمة، ففي اللحظة التي كان ينتظر فيها هؤلاء بعض التكريم والوفاء، وجد كثيرون أنفسهم على هامش الحياة، راتب تقاعدي لا يكفي احتياجات أيام معدودة، وأسعار تتصاعد بلا رحمة، وأدوية تلتهم الجزء الأكبر من الدخل، وفواتير لا تعترف بسن أو مرض أو تاريخ طويل من العطاء.
كيف يمكن لمن أفنى أربعين عامًا في خدمة وطنه أن يقضي شيخوخته قلقًا من ثمن الدواء؟ وكيف يقبل الضمير العام أن يتحول من صنعوا نهضة البلاد إلى فئة تكافح من أجل توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة؟
إن قضية أصحاب المعاشات ليست قضية أموال فقط، بل قضية أخلاق قبل أن تكون قضية أرقام، وقضية وفاء قبل أن تكون قضية موازنات، فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومدن، وإنما بما تمنحه لمن بنوا هذه الطرق والجسور والمدن من احترام وأمان وكرامة.
إن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين يشعر صاحب المعاش أن الدولة التي خدمها طويلًا ما زالت تراه وتقدره وتحميه، وأن السنوات التي أفناها في العمل لم تذهب هباءً، وأن الوطن الذي أعطاه عمره لم يتركه وحيدًا في مواجهة المرض والعجز وغلاء المعيشة.
أصحاب المعاشات ليسوا أرقامًا في سجلات حكومية، وليسوا بندًا ماليًا قابلًا للتأجيل أو المساومة، إنهم ذاكرة الوطن الحية، وسجل تضحياته الصامتة، والشهود الذين كتبوا بأعمارهم قصة البناء والكفاح.
وحين ينظر المجتمع إلى وجوههم المتعبة، يجب أن يدرك أن هذه التجاعيد ليست آثار الزمن فقط، بل خرائط عمر كامل من البذل والعطاء، وأن أقل ما يستحقونه في خريف العمر هو حياة كريمة تليق بمن منحوا الوطن ربيع أعمارهم كله.
باختصار.. ليس من العدل أن يقضي أصحاب المعاشات شبابهم في خدمة الوطن، ثم يقضوا شيخوختهم في مطاردة لقمة العيش وثمن الدواء، فالوطن الذي أخذ من أعمارهم، مدين لهم بما هو أكبر من معاش هزيل؛ مدين لهم بالكرامة، والإنصاف، والوفاء.














