هل يستوعب الخليجيون الدرس؟ وهل يتوقفون أمام ما تفعله الولايات المتحدة بإيران، ليس عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل ماليًا واقتصاديًا أيضًا؟
وهل تملك دول الخليج ومصر ضمانة دائمة بأن تبقى المصالح الأمريكية متطابقة مع مصالحها؟ خصوصًا أن السياسة الأمريكية، كغيرها من سياسات القوى الكبرى، تحكمها الحسابات البراغماتية وموازين المصالح أكثر مما تحكمها الاعتبارات الأخلاقية أو العواطف السياسية.
ولا يخفى أن جانبًا معتبرًا من الأصول والاستثمارات الخليجية، سواء الحكومية أو الخاصة، يتحرك داخل منظومة مالية عالمية تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إدارتها والتأثير عليها، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول حدود الاستقلال المالي وإدارة المخاطر الاستراتيجية.
لقد قدمت الولايات المتحدة، عبر مواقفها وسياساتها المختلفة، دروسًا ومشاهد مجانية لكل من يريد أن يقرأ المستقبل بعين الواقع لا بعين التمنيات، ومع ذلك، ما زلنا نتردد في التفكير الجاد بوضع خطط استراتيجية تقلل من الاعتماد الأحادي، وتبني بدائل تضمن قدراً أكبر من الاستقلال والسيادة وحماية القرار الوطني.
فالدول لا تُبنى على حسن النوايا، ولا تُصان مصالحها بالرهان على ثبات التحالفات إلى الأبد، بل بتعدد الخيارات، وتنويع الشركاء، وتعزيز عناصر القوة الذاتية اقتصاديًا وماليًا وتكنولوجيًا.
إن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نتعلم من تجارب الآخرين قبل أن نجد أنفسنا أمام الاختبار ذاته، أم نؤجل المراجعة حتى تصبح الخيارات أكثر صعوبة وكلفة؟
وفي هذا الاطار يستند كثير من النقد إلى فكرة أن العقوبات الاقتصادية الأحادية—وخاصة حين تُدار عبر النظام المالي العالمي—ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل تعبير عن هيمنة تسمح للدول الكبرى بتحويل أدوات المال والتمويل إلى وسيلة ضغط سياسي، ويطرح هذا النقد سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا عميقًا… هل يمنح امتلاك القوة حقًّا في تقييد أموال الآخرين أو تعطيل وصولهم إليها؟
ورغم أن بعض جوانب الحجة تنطلق من مبادئ العدالة، إلا أن جوهر النزاع يظهر عندما تتقاطع مفاهيم «الحق» مع مفاهيم «القدرة» و«النفوذ».
فمن زاوية القانون الطبيعي والعدالة المجردة يمكن القول إن الأموال المملوكة لدولة أو شعب هي ملك لأصحابها، وبالتالي لا ينبغي لدولة أخرى أن تصادرها أو تمنع الوصول إليها لمجرد وجود خلاف سياسي أو حسابات نفوذ.
هذا المنطق قريب من العدالة الفردية… فالتعارض في المصالح أو الاختلاف السياسي لا يبرر—بداهة—الانتزاع أو الحرمان من مورد مملوك لمنطق «العقاب دون حق».
لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من العلاقات بين الأفراد إلى العلاقات الدولية، حيث لا يُدار النظام العالمي بمنطق العدالة المجردة وحدها، بل تتداخل فيه اعتبارات القوة والقدرة على التنفيذ.
وهنا سؤال يطرح نفسه، لماذا تُمارَس العقوبات بطريقة «قانونية» لكنها تقوم على النفوذ؟ قد لا تبدو الدول المهيمنة وكأنها «تستولي» على الأموال، بل تُقدّم الأمر كـ مسألة امتثال للقوانين أو كإجراء ضمن منظومة العقوبات، ومن هنا تُساق عدة أدوات، من بينها:
– التحكم النسبي بالنظام المصرفي وامتداد تأثيره (خصوصًا عبر الدولار).
– القوانين الداخلية المرتبطة بالعقوبات وإجراءات الحظر والتقييد.
– القدرة على فرض عقوبات ثانوية على جهات تتعامل مع الدول المستهدفة، بما يحول المؤسسات الخاصة إلى حراس غير مباشرين للقرار السياسي.
– في بعض الحالات، وجود غطاء دولي أو تحالفات غربية داعمة.
وفقًا لهذا التصور، لا يعمل التجميد أو المنع كنزاع «ملكي مباشر» فقط، بل كنظام إجرائي يسمح بقراءة الأصول وفق معيار السياسة والأمن لا وفق معيار الحق وحده.
ولعل من المهم الإشارة إلى أن هذه المقاربة لا تقتصر على الحالة الإيرانية وحدها، فخلال السنوات الأخيرة استخدمت الولايات المتحدة أدوات العقوبات والقيود الاقتصادية والمالية في مواجهة خصوم آخرين حول العالم، كان من بينهم كوبا التي ظلت لعقود طويلة إحدى أبرز ساحات الصراع السياسي مع واشنطن.
وقد تجدد ذلك مؤخرًا عبر إجراءات وقيود استهدفت الرئيس الكوبي وعددًا من أفراد عائلته وشخصيات مرتبطة بعائلة كاسترو، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع السياسات الكوبية، فإن المغزى الأهم هنا هو أن القوة المالية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أدوات إدارة الصراع الدولي، وأن النفوذ الاقتصادي لم يعد مجرد وسيلة للتأثير في الأسواق، بل تحول إلى أداة ضغط سياسي يمكن توظيفها متى اقتضت المصالح والاستراتيجيات ذلك.
ومن ثم فإن القضية لا تتعلق بـ إيران أو كوبا بقدر ما تتعلق بطبيعة نظام دولي باتت فيه حركة الأموال والأصول والاحتياطيات مرتبطة، في بعض الأحيان، بموازين القوة والنفوذ بقدر ارتباطها بالقواعد الاقتصادية المجردة.
وحول هل الانقسام العالمي حول العقوبات يعتبر أداة ضغط أم إكراه غير مشروع؟ فيمكن تلخيص الاتجاهين المتنافسين في عالم اليوم كالتالي… الرؤية المؤيدة للعقوبات (الأمريكية/الغربية) فهؤلاء يرون أن العقوبات بديل أقل تكلفة من الحرب، وأداة للضغط لتغيير سلوك الدولة المستهدفة.
وفي المقابل هناك رؤية ترفض هذه العقوبات وترى أنها —خصوصًا ذات الصلة بالتجارة والمال—تُمثّل إكراهًا سياسيًا يميل إلى معاقبة الشعوب أو ترك أثرًا اقتصاديًا واسعًا، كما يمنح الدول الكبرى سلطة غير متكافئة على بقية العالم.
وبناءً على ذلك، تبرز دعوات—خلال السنوات الأخيرة—لتقليل الاعتماد على الدولار وتوسيع أنظمة التسويات والاحتياطيات، بهدف تخفيف هشاشة القرار المالي أمام تغيّر الموقف السياسي.
وتقوم رؤية إيران على سؤال بسيط ومباشر… إذا كانت الأموال أموالاً مملوكة لطرف ما، فلماذا تُستعمل ضمن لعبة تفاوض؟
من وجهة النظر الأمريكية، الجواب مختلف … فواشنطن لا تنظر إلى الأصول المجمدة كوديعة محاسبية فقط، بل كجزء من منظومة العقوبات المرتبطة بالأهداف السياسية والأمنية المرتبطة بملف نووي وصواريخ ودعم إقليمي وقضايا مرتبطة بأحكام أو ادعاءات.
وبالتالي يصبح الإفراج عن الأموال قرارًا سياسيًا/أمنيًا، لا قرارًا مصرفيًا صرفًا.
وهنا مربط الفرس، حيث يجب علينا أن نلتفت إلى ملفت مهم طردناه في بداية المقال حول هل يشكّل ذلك رسالة مقلقة لدول الخليج؟
قد يقول البعض انه من الناحية البنيوية، الحالة الإيرانية ليست مماثلة لحالة دول الخليج… فإيران تخضع لعقوبات واسعة وممتدة منذ عقود، بينما ترتبط دول الخليج بعلاقات استراتيجية وأمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة.
لكن ماذا «يثبت» حادث إيران؟
فما تُظهره حالة إيران ليس بالضرورة أن «أموال الجميع مهددة تلقائيًا»، بل أنها تكشف حقيقة سياسية… وهي ان الملكية القانونية للأصول لا تعني بالضرورة السلامة العملية للوصول إليها عند تصاعد الصراع.
كما ان قوة الدولة المهيمنة على النظام المالي تستطيع—عند حدوث قطيعة سياسية—تغيير مسار الأصول المجمدة.
وهذا ما يدفع دولًا أخرى (مثل الصين وروسيا) إلى البحث عن بدائل وتقليل الاعتماد على نظام مالي واحد، لأن الهشاشة لا تُقاس بمدى جودة العلاقات في الحاضر، بل بقدرة النظام على تحويل المال إلى أداة ضغط متى توترت العلاقة.
ولكن هل درس إيران «مجانًا»؟ أو بمعنى آخر.. هل الخليج ومصر بمنأى عما حدث لإيران؟
إن ما جرى ويجري مع إيران لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات طهران، بل من زاوية أوسع تتعلق بطبيعة النظام المالي العالمي نفسه.
فالدرس الحقيقي لا يكمن في مصير دولة بعينها، وإنما في إدراك حقيقة باتت واضحة للجميع: أن المال أصبح جزءًا من منظومة النفوذ، وأن القوة لم تعد تُمارس فقط عبر الجيوش والأساطيل، بل أيضًا عبر المصارف وأنظمة المدفوعات وشبكات التسويات المالية.
ولذلك فإن الحكمة السياسية لا تقتضي القطيعة مع الولايات المتحدة ولا استبدال تبعية بأخرى، وإنما تقتضي بناء شبكة واسعة من البدائل والخيارات، بحيث لا يصبح القرار الوطني رهينة لطرف واحد أو نظام واحد أو عملة واحدة.
فالدول الرشيدة لا تنتظر لحظة الأزمة لكي تبحث عن مخارج، بل تبني هوامش الحركة وهي في أوقات الاستقرار والوفاق.
ومن هنا يبقى السؤال مطروحًا أمام الخليج ومصر، بل أمام كل دولة تسعى إلى حماية سيادتها: هل نتعلم من تجارب الآخرين قبل أن ندفع الثمن بأنفسنا؟
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتجاهل الدروس المجانية كثيرًا ما تضطر إلى تعلمها لاحقًا بتكلفة باهظة.













