في عالم يزداد فيه الضغط على جيوب المواطنين يومًا بعد يوم، لم تعد أزمة الأسعار مجرد أرقام في نشرات اقتصادية، بل أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه على كل أسرة، ومع غياب الحلول السريعة، بدأ البحث عن أدوات أخرى يمتلكها المواطن، ربما يكون أهمها: قرار الشراء نفسه.
ومن هنا تبرز أهمية فكرة «نظام الطيبات» الذي ارتبط باسم الدكتور ضياء العوضي، وأثار جدلًا واسعًا بسبب طرحه المختلف حول نمط الحياة والغذاء، حيث يقوم على فلسفة الاختيار والابتعاد عن بعض الأطعمة التي يرى أصحاب النظام أنها ضارة، مقابل التركيز على أطعمة يصفونها بالطيبات.
ورغم أن الجدل حول الجانب الطبي لهذا النظام ما زال قائمًا بين مؤيد ومعارض، فإن الفكرة الأوسع التي تستحق التوقف عندها هي: قوة الاختيار الشعبي، فكما يختار الإنسان ما يدخل إلى جسده، يستطيع أيضًا أن يختار ما يخرج من جيبه، وأن يجعل من قراره الشرائي أداة للتأثير في السوق.
لقد أثبتت تجارب المقاطعة الشعبية، خاصة في بعض أسواق الدواجن والبيض، أن المستهلك عندما يتوحد حول موقف معين يمكن أن يرسل رسالة قوية للمنتجين والتجار، فالسوق في النهاية لا يتحرك فقط بما يريده البائع، وإنما بما يستطيع المشتري أن يقبله أو يرفضه.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان المواطن استطاع أن يستخدم المقاطعة للضغط على أسعار بعض السلع الغذائية، فلماذا لا تمتد الفكرة إلى بقية مناحي الحياة؟ لماذا لا يصبح هناك وعي جماعي في مواجهة الارتفاعات غير المبررة في أسعار المواصلات، والإيجارات، والخدمات، وكل ما أصبح يشكل عبئًا على الأسرة؟
المقصود ليس تعطيل الأسواق أو الإضرار بأحد، فالتاجر والمنتج لهما حقوقهما، ولكن المقصود هو إعادة التوازن إلى العلاقة بين أطراف السوق، بحيث لا يتحمل المواطن وحده فاتورة أي أزمة.
إن تجربة «الطيبات» – بعيدًا عن الجدل حول تفاصيلها – تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول ثقافة الاختيار، وهي الثقافة التي يمكن أن تتحول من مجرد قرار فردي إلى قوة جماعية، فحين يدرك ملايين المستهلكين أن قراراتهم اليومية لها تأثير، يصبحون طرفًا فاعلًا وليس مجرد متلقٍ للأسعار المفروضة عليهم.
ربما تكون الرسالة الأهم أن المواطن لا يملك فقط راتبه أو دخله، بل يملك أيضًا قرار الشراء، وهذا القرار إذا تحول إلى وعي جماعي ومنظم يمكن أن يصبح أحد الأدوات السلمية لإعادة ضبط الأسواق ومواجهة جنون الأسعار فكما نجحت إرادة الناس في إعادة النظر في أسعار بعض السلع، يمكن أن تمتد هذه الإرادة إلى كل ما يرهق حياتهم من مواصلات وسكن وخدمات.
باختصار.. حين يصبح الوعي الشعبي أقوى من جشع الأسعار، يصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في صناعة السوق، لا مجرد رقم في حسابات الربح والخسارة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا











