في عالمنا اليوم، تُعد الوظيفة العمود الفقري الذي يستند إليه استقرار الإنسان، فهي الوسيلة الأساسية لتأمين الحياة المادية وتلبية احتياجات الفرد وأسرته، وهي الحلم الذي يطارد الكثيرين منذ بداية الطريق وظيفة مستقرة، دخل منتظم، ومستقبل أكثر أمانًا.
لكن يبقى السؤال الذي يرافق الإنسان طوال رحلته هل تمنحنا الوظيفة الأمان الحقيقي؟ وهل تستحق أن نقدم لها أجمل سنوات العمر، وشبابنا، وصحتنا، واللحظات التي لا يمكن استعادتها؟
ملايين الأشخاص عبر مختلف الأعمار والمهن يمضون سنوات طويلة داخل مكاتب مغلقة، أو بين أروقة المصانع، أو أمام شاشات الحواسيب، أيام تبدأ مبكرًا وتنتهي بإرهاق متكرر، وهم يحملون الأمل نفسه أن هذا التعب اليوم سيصنع راحة الغد، وأن هذه التضحيات ستقودهم في النهاية إلى حياة أكثر هدوءًا وسعادة.
بعد سنوات طويلة من الركض، وبعد أن يهدأ سباق الحياة قليلًا، ينظر الإنسان خلفه فيجد أنه حقق بعض ما كان يسعى إليه، لكنه فقد أشياء أخرى لم يكن يظن أنه سيفقدها.
يجد أن أبناءه كبروا، وأن لحظات كثيرة كان يمكن أن يعيشها أصبحت مجرد ذكريات، وأن الأحلام الصغيرة التي كان يؤجلها بحجة «ليس الآن» ربما تأخرت أكثر مما ينبغي.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر قسوة هل كنت أسير في الطريق الخطأ؟ أم أنني كنت أسير في الطريق الصحيح، لكنني أخطأت العنوان؟ فربما لم يكن العمل هو المشكلة، ولم تكن سنوات العطاء بلا قيمة، فالعمل يمنح الإنسان كرامته، ويبني خبرته، ويجعله يشعر بأنه يضيف شيئًا للحياة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح العمل هو الحياة كلها، وعندما ينسى الإنسان أن هناك عناوين أخرى تستحق الوصول إليها؛ عائلته، صحته، أحلامه، وراحته النفسية.
هناك من قضى عمره يعمل بلا كلل من أجل توفير حياة أفضل لأسرته، ترك رغباته الشخصية جانبًا، وضحى بالكثير من أجل من يحب، كان يعتقد أن الحب يُقاس بما يوفره لهم، ثم يكتشف لاحقًا أن الحضور والوقت والذكريات كانت أشياء لا تقل أهمية عن المال.
وهناك أمهات خضن معركة يومية بين البيت والعمل، حاولن تحقيق التوازن بين المسؤوليات والطموحات، ثم فوجئن بأن الزمن مر سريعًا، وأن أبناءهن الذين عملن من أجلهم أصبحوا كبارًا، وأن سنوات الطفولة التي تمنين قضاء وقت أطول معها لم تعد قابلة للعودة.
وهناك آخرون عاشوا تحت ضغط الخوف؛ وظائف تستنزف طاقتهم، وبيئات عمل تجعلهم يصمتون عن احتياجاتهم وحقوقهم خشية فقدان مصدر رزقهم. يصبح الإنسان أحيانًا أسيرًا لمكان يمنحه راتبًا، لكنه يأخذ منه جزءًا من راحته وحياته.
العمل جزء مهم من حياة الإنسان، لكنه ليس الحياة كلها، هو مساحة لتحقيق الطموح وبناء الذات، وليس سجنًا يستهلك العمر دون أن يمنح صاحبه شعورًا بالمعنى.
التحدي الحقيقي ليس في العمل الشاق، فالنجاح يحتاج إلى تعب وجهد، وإنما في أن يتحول هذا الجهد إلى استنزاف دائم، وفي أن يشعر الإنسان بعد سنوات طويلة أن كل ما قدمه لم يُرَ، وأنه كان يطارد أمانًا لم يصل إليه.
فالوظيفة التي تمنح الإنسان قيمة هي التي تجعله يشعر بأن جهده مقدر، وأن مستقبله أكثر وضوحًا، وأن نجاحه المهني لا يأتي على حساب إنسانيته وحياته الخاصة.
وفي نهاية الرحلة، قد يكتشف الإنسان أن الحياة لم تكن تنتظره بعد أن ينتهي من العمل، بل كانت تحدث كل يوم أمامه وهو منشغل بالوصول.
فالأموال التي جمعها، والمناصب التي حصل عليها، والإنجازات التي حققها، كلها مهمة، لكنها لا تعوض ضحكة لم يسمعها، أو حضنًا لم يمنحه، أو لحظة جميلة أجلها حتى فات وقتها.
الحياة ليست مسابقة لجمع المال أو تحقيق النجاح المهني فقط، بل هي مجموعة من اللحظات التي نصنعها مع من نحب، والرضا الذي نشعر به عندما ننظر إلى سنواتنا فنجد أننا لم نكن غائبين عن حياتنا ونحن نحاول بناءها.
لذلك ربما لا يكون السؤال كم سنة قضيت في العمل؟ بل كم سنة عشتها بالفعل؟ لأن ما يبقى في نهاية الطريق ليس عدد الساعات التي قضيناها في المكاتب، ولا الأرقام التي تركناها خلفنا، بل الذكريات التي صنعناها، والأشخاص الذين كانوا يشعرون بوجودنا، والإنسان الذي كنا عليه طوال الرحلة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













